الخطأ الذي وقع فيه بعضهم في هذا الخصوص ، حتى تعلم ماهية مذهبه ، وتعرف مقصود الصوفية عند استعمالهم لهاتين الكلمتين الشائعتين .
فصل في البقاء والفناء
يقول اللّه تعالى :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
« 1 » ويقول تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
« 2 » .
اعلم أن الفناء والبقاء لهما معنى عامي ، وآخر صوفي ، وأن أهل الظاهر أشد حيرة في هاتين الكلمتين من كل اصطلاحات الصوفية ، فالبقاء اشتقاقا وعلما على ثلاثة معان :
( 1 ) بقاء يبتدئ من الفناء وينتهى في الفناء وذلك هو بقاء هذه الدار التي لها أول وآخر وهي قائمة في وقتنا هذا .
( 2 ) والبقاء الذي صار له وجود وليس له فناء وهو بقاء الجنة والنار والدار الآخرة وأهلها .
( 3 ) وبقاء كان كما كان هو على ما هو عليه كان ، وذلك بقاؤه سبحانه وتعالى وبقاء صفاته القديمة ، والمراد من بقائه دوام وجوده ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون ، لا يشاركه أحد في أوصافه ، لذلك فمعرفة الفناء مخصوصة بمعرفتك بفناء هذه الدنيا ، ومعرفة البقاد بمعرفة دوام الآخرة وذلك لقوله تعالى :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
« 3 » وأبقى هنا مبالغة ، ذلك أن بقاء عمر الدنيا ليس في فنائها .
أما بقاء الحال وفناؤه يعنى مثلا أنه إذا فنى الجهل لزم بقاء المعرفة ، وإذا فنيت المعاصي لزم بقاء الطاعة وإذا توصل الإنسان إلى معرفة تقواه
هامش
( 1 ) سورة النحل : آية 96 .
( 2 ) سورة الرحمن : آية 26 - 27 .
( 3 ) سورة الأعلى : آية 17 .