قال جعفر الخلدى : جئت ذات ليلة إلى باب أبى الحسين النوري وكان يدعو اللّه في العزلة فأردت أن استمع إلى دعائه ، لأننى كنت أعلم أنه فصيح لبق فسمعته يقول : اللهم ، قد سبق في علمك وسلطانك وقدرتك ، أن تعاقب أهل النار الذين خلقتهم بيدك ، وإن شئت ملأت النار بهم ، وأنت قادر على أن تملأ النار وكل كهوفها بي وحدى ، وترسلهم إلى الجنة ، فأندهشت من مقالته ، فرأيت في هذه الليلة أن آت أتاني وقال لي : إن اللّه يأمرك بأن تقول لأبى الحسين : إن اللّه عفا عنه وذلك بعطفه على خلق اللّه وإجلاله له سبحانه .
وقد سمى النوري لأنه كان إذا تكلم في غرفة مظلمة أضاءت الغرفة بنور روحانيته ، وكان يقرأ بنور الحق ما يخالج صدور تلاميذه ، حتى أن الجنيد قال :
أبو الحسين جاسوس القلوب . هذا هو حقيقة مذهبه . وهو أصل صحيح ، وذو أهمية كبرى لمن له دقة نظر . وليس أصعب على الإنسان من بذل روحه عدم وعدم لامتناع عن محبوبه . لأن اللّه تعالى جعل هذا البذل مفتاحا لكل خير حيث قال تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
« 1 » إذا بذل الإنسان نفسه فما ذا تكون قيمة ثروته وصحبه وقميصه وطعامه ، هذا هو أساس الصوفية . جاء أحدهم إلى رويم وقال له : « أوصني » ، فقال رويم : « يا ولدى في ليس هذا الأمر غير بذل الروح إن قدرت على ذلك وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية » . أعنى أن كل شيء غير هذا هو ترهات وقد قال اللّه تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
« 2 » ويقول أيضا :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ
« 3 » فالحياة الباقية إنما تنال ببذل النفس والتخلص من صالحها في أداء أوامر اللّه وإطاعة أحبابه .
ولكن إذا نظرنا إلى الإيثار من وجهة المعرفة وجدنا أن الإيثار والاختيار تفرقة وأن حقيقة الإيثار هو الاتحاد مع اللّه ، لأن الأصل الحقيقي لصالح النفس هو
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : آية 92 .
( 2 ) سورة آل عمران : آية 169 .
( 3 ) سورة البقرة : آية 154 .