أعلم بالمحل الذي يضعه فيه ، فلا تتدخل في شؤونه ، واتركه سبحانه يعمل في ملكه كيف شاء .
روى جعفر : أنه ذهب إلى الجنيد ، فوجده متألما من حمى ، فقال له : « يا سيدي سل اللّه أن يشفيك ، فقال الجنيد : كنت عزمت أن أسأله ذلك بالأمس ، ولكن سمعت من يهمس لي في قلبي قائلا : إن جسمك ملك لي وأنا أحفظه صحيحا أو مريضا كما أشاء ، ومن أنت حتى تتدخل في ملكي » . واللّه أعلم بالصواب .
59 - ومنهم الشيخ المحمود ، معدن الجود ، أبو علي محمد بن القاسم الروذباري ،
كان من فتيان الصوفية وقادتهم ، ومن نسل الملوك ، وتنسب إليه كرامات كثيرة ، وفضائل عميمة . وكان يتكلم في خفايا التصوف .
قال : « المريد لا يريد لنفسه إلا ما أراد اللّه له والمراد لا يريد من الكونين شيئا غيره » فكل من رضى بمشيئة اللّه تعالى لزمه أن يترك إرادة ما كان مريدا ، وحيث أن العاشق لا إرادة له ، حتى يجعل له مرادا ، فمن أراد اللّه لا يريد إلا ما أراد ، ومن أراده اللّه لا يريد إلا اللّه ، لذلك كان الرضا من مقامات المبتدئين ، والمحبة من أحوال المنتهين . والمقامات متصلة بظهور العبودية ، بينما المشرب يوصلك إلى تثبيت الربوبية ، وحيث كان ذلك كذلك فالمريد باق في نفسه ، والمريد باق في ربه سبحانه وتعالى .
60 - ومنهم خازن التوحيد ، ووسيط التفريد ، أبو العباس القاسم بن القاسم بن مهدي السياري .
اجتمع بأبى بكر الواسطي ، وتلقى على يد مشايخ كثيرين . وكان أظرف الصوفية صحبة ، وأزهدهم وأكثر ألفة ، وله تآليف دقيقة ، وعبارات رقيقة .
يروى أنه قال : « التوحيد ألا يخطر بقلبك ما دونه » . أي أن التوحيد ألا