وأبصار القلوب عما سوى اللّه . يعنى ألا يتفكروا في غير مشاهدة اللّه ، وإنه من علامة الغفلة أن يتبع الإنسان شهوته ، ويرغب فيما هو محرم ، والخطأ العظيم الذي يعتور الغافل أنه يجهل خطأه ، لأنه من كان جاهلا هنا صار جاهلا هناك ، وذلك مدلول قوله تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
« 1 » وفي الحقيقة إذا لم يخلص اللّه سبحانه وتعالى قلب عبده من الرغبة في اللذة فالعين الجسمانية لا أمن لها من الخطر الخفي ، وإذا لم يثبت اللّه تعالى مراده في قلب عبده فالعين الروحانية لا تأمن النظر إلى غيره .
يروى أنه ذهب ذات يوم إلى السوق فقال عنه الناس : هذا رجل مجنون .
فرد عليهم قائلا : « أنا عندكم مجنون وأنتم عندي أصحاء فزادنى اللّه في جنونى ، وزادكم في صحتكم » أعنى أن جنونى هو نتيجة محبة اللّه الصادقة ، بينما عقلكم هو نتيجة الغفلة الكبيرة ، فاللهم زدني في جنونى حتى أكون قريبا منك ، وزد في عقلكم حتى تزدادوا بعدا . وقد قال هذا من غيرته على من لا يفرق بين الجنون والمحبة ، ولا يكاد يفرق بينهما في هذه الدنيا ولا في الدار الآخرة .
58 - ومنهم حاكى أحوال الأولياء ، بألطف الأقوال والأداء ، أبو محمد جعفر بن نصير الخلدى .
وهو من كبار أصحاب الجنيد ، ومن المتمكنين في علوم الصوفية ، وممن يجل المشايخ . وله أقوال دقيقة ، ولكي يحفظ نفسه من الغرور نسب إلى غيره كافة ما ألفه ، موضحا مختلف المواضيع .
يروى أنه قال : « التوكل استواء القلب عند الوجود والعدم » حتى لا تسر عندما تجد رغبتك ، ولا تأسف على ما فاتك ، لأنه ملك اللّه تعالى ، الذي هو
هامش
( 1 ) سورة الأسراء : آية 72 .