فلما استيقظ من منامه ظن أن مقامه أكبر من مقام السرى لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمره بالدعوة فلما أرسل إليه السرى مريدا بالرسالة الآتية :
إنك لم تقبل أن تدرس تلاميذك إذ طلبوا منك ذلك ، ورفضت وساطة مشايخ بغداد ، وحيث أمرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأطع الأمر . قال الجنيد فأخرجت هذا الرأي من قلبي ، وعلمت أن السرى أعلم بظاهرى وباطني ، وأن مرتبته أكبر من مرتبتي ، حيث أنه علم بسرى ، وتحققت جهلي بمقامه ، فذهبت إليه وسألته السماح وأن يخبرني من أين علم أنى رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال لي : يا بنى رأيت رب العزة عز وجل فأخبرني بأنه أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمرك بالدعوة . من هذه الحادثة تعلم صريحا بأن للعارفين معرفة تامة بأسرار مريديهم .
يروى أنه قال : « كلام الأنبياء نبأ عن حضور وكلام الصديقين إشارة عن المشاهدة » « 1 » ، والمعرفة الحقة ناتجة عن النظر ، ومن المستحيل أن تبين حقيقة أي شيء لم تشاهده ، بينما أن الإشارة تدلك على شيء آخر ، لذلك فنهاية الصديقين بداية النبيين . والفرق بين النبي والولي كالشمس في رابعة النهار ، وإني لأعجب من شعوذة أهل الفئتين الضالتين ، اللتين زعمتا أن الأولياء فاقوا الأنبياء في الكمال .
يروى أنه قال : كنت أرغب في رؤية إبليس عليه لعنة اللّه ، فرأيت ذات يوم رجلا طاعنا دميما ، دخل إلى الجامع ، وأنا في وسطه ، متجها إلى فانتاينى رعب شديد لما اقترب منى ، فسألته : من أنت ، لا أب لك ! . لأنى لا احتمل النظر إليك ، ولا الفكر فيك فقال لي : أنا طلبتك . فقلت : وعليك لنعة اللّه ! ما منعك أن تسجد لآدم ؟ . فقال : يا جنيد ! كيف تتخيل أن اسجد لأحد غيره تعالى ؟ . فاندهشت لمقالته ونوديت من قلبي ؛ قل له : كذبت ! لو كنت عبدا لما خرجت من أمره ونهيه . فسمع إبليس صوت الكلام من قلبي فصرخ بأعلى
هامش
( 1 ) انظر السلمى طبقات ص 162 .