ضغثا على إبالة ولا يثمر . وهكذا اعلم أن هذا العظيم قد دفع الدنيا عن نفسه ولم يرغب في اسم أو جاه .
28 - ومنهم الشيخ ذو الوقار ، الواقف على الخواطر والأسرار ، أبو السرى منصور بن عمار .
كان من نوابغ العراق ، وأئمة خراسان ، ولم يسبقه أحد في بلاغة مواعظه وحسن موقعها ، كان عالما بكل فروع العبادة والحديث وعلوم الأصول والمعاملات . وقد غالى في مدحه بعض طلاب المتصوفة .
يروى أنه قال : « سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية الذكر ، وقلوب الزاهدين أوعية التوكل ، وقلوب المتوكلين أوعية الرضا ، وقلوب الفقراء أوعية القناعة ، وقلوب أهل الدنيا أوعية الطمع » « 1 » .
من المعلوم أن اللّه تعالى قد جعل في كل عضو من الأعضاء صفة خاصة به ، فجعل مثلا اليد للبطش ، وجعل القدم للسعى ، والعين للنظر ، والأذن للسمع ، واللسان للنطق ، فلا اختلاف هناك إلا اليسير في وظيفة كل منها .
وشغل القلوب بشواغل مختلفة ، فسبحان من أقام العباد فيما أراد .
فترى قوما اشتغلوا بمعرفة اللّه ، وآخرون اشتغلوا بالخطيئة ، وآخرون بالقناعة ، وآخرون بالغفلة ، وهلم جرا . فلذلك كانت معاملة القلوب هي القسطاس المستقيم التي يثاب عليها ، أو يعاقب بها . وقد قال : « الناس رجلان : عارف بنفسه فشغله في المجاهدة والرياضة ، وعارف بربه فشغله بخدمته وعبادته ومرضاته » « 2 » .
فعبادة الأول رياضة ، وعبادة الثاني رئاسة ، والأول يعبد ليصل إلى درجة الكمال ، والثاني يعمل مع بلوغه الكمال ، فما أكبر الفرق بينهما . أحد هاتين الفئتين باق في مجاهدة نفسه ، والآخر باق في مشاهدة ربه .
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 135 .
( 2 ) المرجع السابق ص 126 .
( 3 ) المرجع السابق ص 135 .