رحالهم في الحضرة ، فلا يرجعون منها إلى الرّسوم إلّا لإقامة فرض « 1 » أو ليتأدّب بهم مريد أو لدلالة « 2 » مريد على سلوكه ، وهم أهل التّمكين في التّصوّف وأهل الاستقامة فيه ، إليهم النّهاية وبهم القدوة في أحوال السّلوك .
( 5 ) فمن مقاماتهم الّتي سلكوها مقام التّوحيد . والتّوحيد عندهم « إفراد القدم عن الحدث ، ( والخروج عن الأوطان ، وقطع المحاب ، ) وترك ما علم وجهل ، وأن « 3 » يكون اللّه تعالى مكان الجميع » ، « 4 » وهذا قول الجنيد رحمه اللّه . والموحّد عندهم من يتوحّد ثمّ يوحّد .
والتّوحيد إثبات لا نفي فيه ونفي لا إثبات [ 18 ب ] معه وفناء فيما بين الحالين ، ثمّ فناء عن ذلك الفناء حتّى لا يكون له حين ولا عنه إخبار . وطريقة الخراسانيّين في التّوحيد إثبات الموحّد بنفي ما يضادّه عنه ، وأيضا أن يكون العبد قائما بسرّه وقلبه وحاله بين يدي ربّه لا يلاحظ غيره ولا يشاهد سواه ، وأيضا هو بقاء الحقّ وفناء ما دونه .
( 6 ) ثمّ المعرفة ، وهو أنّ اللّه تعالى يعرّف إلى خواصّه بذاته ويسقط عنهم بذلك آثار المعرفة والرّسوم فلم يعرفوا غير معروفهم ولم يعاينوا سواه . وأيضا فإنّ العارف من تجمع له المتفرّقات وتستوي عنده الأحوال وتسقط « 5 » عنه رؤية الأغيار . وأيضا أنّ العارف أن يكون بلا حدّ كما أنّ المعروف بلا حدّ . وطريقة الخراسانيّين أنّ المعرفة آثار أنوار العناية على قلوب الأولياء فيزيّنهم بأنواع الكرامات من القربة والمحبّة والشّوق والأنس وغير ذلك . وطريقة أخرى لهم وجود تعظيم اللّه تعالى في القلب وتأثير ذلك التّعظيم خشية على الجوارح وخشوعا عليها .
( 7 ) ثمّ يرجع إلى بيان مبادي [ 19 آ ] المقامات والأحوال . فأوّل مقام فيها التّوبة ، وهو أن يرجع من الكلّ إليه لأنّ له الكلّ . وقيل : أن يكون للّه تعالى وجها بلا قفا كما كان له قفا بلا وجه . وطريقة الخراسانيّين الرّجوع من كلّ ما ذمّه العلم إلى مدحة العلم . وقيل : إن التّوبة ألّا تنسى ذنبك . وقيل : ألّا تذكر ذنبك .
( 8 ) ثمّ الانتباه في التّوبة أن يعرف منّة اللّه عليه فيما أهّله له من الرّجوع إليه . وقيل :
هامش
( 1 ) . في الأصل : فرضه .
( 2 ) . في الأصل : ولدلالة .
( 3 ) . في الأصل : أن .
( 4 ) . الرسالة القشيرية 426 ، باب التوحيد . والزّيادة منه .
( 5 ) . في الأصل : ويسقط .