كاد الفقر إلى سوى اللّه تعالى أن يكون كفرا . فالفقير على الحقيقة من يكون فقره إليه لا إلى أحد سواه . والفقر ضد الغنى واللّه تعالى حكم لنفسه بالغنى ووصف عبيده بالفقر فقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
« 1 » . وكما لا يجوز أن يتحول غنى الحق فقرا ، لأنه صفة من صفات ذاته كذلك لا يجوز أن يتحول فقر العبيد غنى ، بل يتحول فقرهم استغناء فيكون في حالة استغنائه أشد فقرا إلى من استغنى به في حال فقره إليه . فهذا طرف من حقيقة الفقر والغنى والاستغناء وهذا فقر الخصوص .
ثم فقر العامة وهو أن العبد فقير إلى ما يغنيه وجوده ، فقير إلى دنيا يغنيه وجودها ، وفقير إلى رئاسة يغنيه حصولها ، وفقير إلى ولاية يغنيه كونها . وهذا كلّه من الفقر المذموم الذي تعوذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منه حيث روي عنه في دعائه صلوات اللّه عليه « أعوذ بك من الفقر » « 2 » ، وقال عليه السلام : « كاد الفقر أن يكون كفرا » « 3 » ، وقال صلوات اللّه عليه : « ليس الغنى بكثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس » « 4 » عما يفتقر إليه من هذه الأدناس .
هامش
- الشعب وابن عدي في الكامل بلا شك . ورواه الطبراني بسند فيه ضعيف - .
وروى النسائي حديث « اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر فقال رجل :
ويعتدلان ؟ قال : نعم » وهذا أصحهما وما قبله من المرفوع ضعيف الإسناد . انظر :
كشف الخفاء ، ج 2 ، ص 107 - 108 .
( 1 ) سورة فاطر : 15 .
( 2 ) أبو داود ، أدب 101 ، النسائي ، سهو 90 ، استعاذة 16 .
( 3 ) سبق الحديث .
( 4 ) رواه مسلم بلفظ « ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس » كتاب الزكاة ، باب 40 .