وقيل : إنّ من أعلام خاطر الإلهام أن يردك في الفصول إلى الأصول ، ويوصلك إلى حقائق المحصول ، ويبين لك براهين صحة الدليل على المدلول .
وقيل : إنما يكون خاطر المرء على حسب همته ، فمن علت همته علا خاطره ومن دنا همته دنا خاطره .
ويقال : للخاطر إضافتان ؛ يقال للحق صاحب الخاطر بمعنى أنه مورده على الأسرار ، وللعبد صاحب الخاطر بمعنى أنه حال فيه .
وقال بعضهم : من علامات الخاطر الإلهامى ؛ أن يكون العلم له باعثا قبل أن يبعثه ، وللحق له واصفا قبل أن يصفه ، ومعناه عنه ناطقا قبل أن ينطق به .
وقيل : الخواطر كما تخاطب الألسن ظاهرها .
أخبرنا أبو سعد ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن جهيم بمكة حرسها اللّه قال : سمعت جعفر الخواص يقول : سمعت أبا القاسم الجنيد يقول : الخواط أربعة : خطرة من اللّه عزّ وجلّ تدعو العبد إلى الانتباه ، وخطرة من الملك تدعو العبد إلى الطاعة ، وخطرة من النفس تدعو إلى التزين والتنعم في الدنيا ، وخطرة من الشيطان تدعو إلى الحقد والحسد والعداوة .
قال أبو سعد الواعظ رضى اللّه عنه : سمعت أبا عثمان النصيبي يقول : سمعت محرزا الرازي يحكى عن أبي الحسين النوري أنه قال : سألت بعضهم : كيف تغير الخطرة في قلب العارف ؟ قال : كما يغير التورد في وجه الخجل ، فإن كان لها أصل من الحق تثبتت وإلا مرت هباء .
وقال أبو سعد : سمعت أيضا أبا عثمان النصيبي قال : سمعت عمر البنا ، قال : وقف رجل على أبى الفرج الجرار ، فكان يتكلم في التصوف وأكثر جواباته من القرآن ، فقال : يا أبا الفرج كيف تنشأ الخطرات في قلوب العارفين ؟ قال : فأطرق الشيخ ثم رفع رأسه إليه فقال : أما علمت أن اللّه سبحانه وتعالى يقول :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
« 1 » ، فإذا كان الخاطر من اللّه تعالى ظهرت الحكمة على لسان القائل ، على قدر ما وقع له من الخاطر ، فإذا كان من النفس أو من العدو يمرّ كما يمر الغيم .
هامش
( 1 ) سورة النور : 43 .