خيالك في سرى وذكرك في فمي * ومثواك في قلبي فأين تغيب
ثم قال : ليته غاب عنى « 1 » ، وإن لم يغب عنى فليته غيبنى ، فقلت : هذا رجل أحرقته نار التوحيد ، فمضيت وتركته .
وقال ذو النون : من تفكر في كيفية صعود الرب ونزوله واستوائه على عرشه ، أخرجه ذلك إلى الزندقة والتعطيل ؛ لأنه جل ثناؤه ليس كمثله شئ في كل شئ ، ولو شاء لم يتكلم ، ولم ينقصه ترك الكلام ، ولو شاء تكلم بلا كلام ، ولو شاء تكلم بلا إلهام ، ولو شاء أقوى أبصار الناظرين على رؤيته ، وأسكن الكثير في القليل ، وأسمع الميت الرحيم خفى الكلام ، الذي لا يسمعه الحي السوى ، ما عرف إلا معرفة بكيفية صدوره وصعوده ونزوله واستوائه ، إلا التسليم والرضا والإقرار بالإيمان به لا غير .
* * *
الآية الثانية
قوله جل ذكره حكاية عن إقرار الذر :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ]
قال أبو بكر النقاش : في معناه أجاب [ ت ] طائفة بقول : بلى ، فهم أهل السعادة والرضوان ، وأجاب [ ت ] طائفة أخرى ، فقالوا : بل لا ، جحودا ، فهم أهل الشقاوة والخذلان .
وقال أبو سعيد النيسابوري في كتابه : أنطقهم بتفريد التوحيد ، فقال بعضهم :
بلى ، وقال بعضهم : بل لا ، فكان « 2 » المؤمنون كاللآلى الرطبة « 3 » ، والكافرون كالحميم الأسود ، فذلك قوله تعالى :
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ
هامش
( 1 ) ليس المراد الجرأة على مقام الألوهية جل وتقدس ، بل المراد التعبير عن عدم احتمال الطاقة البشرية لذوق التجليات الإلهية ، فليته غابت عنه الأذواق ، حتى يقوم في مقام الإيمان بالغيب دون ذوق لذلك الإيمان الغيبي وشهود له .
( 2 ) في الأصل : مكان .
( 3 ) في الأصل : الرطب .