وهو فارغ لك ، كأنه ليس له خلق غيرك ، ولا يذهب عنه من نفسك نفس واحد ، ولا من طرفك طرفة واحدة ، ولا من همومك هم واحد ، ولا يسقط عنه من حركتك وسكوتك ذرة ، ولا أقل منها « 1 » ، وهو كما قال :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] .
وقال :
يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
[ طه : 7 ] ، وقال :
يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
[ البقرة : 235 ] ، وقال :
وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] ، وهو العرق الذي في جوف القلب ، واللّه أقرب إلى القلب من ذلك العرق إلى القلب . وقال :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ . . .
[ سبأ : 2 ] الآية ، فإذا من عرفت قربه منك ، فينبغي لك أن تستحى منه .
وقال بعض العارفين : معناه طلب علم الوقت ، وقيام العبد بحكم ساعته ، وما يقتضى ذلك في ساعة نهاره ، وذلك إذا تكلم أو سكت أو مشى أو ركب أو نزل أو أكل أو لبس ، فيريد أن يعلم أن هذه الحالة هي « 2 » للّه أو لغير اللّه ، فإن كان [ ت ] للّه ، مضى فيها « 3 » ، وإن كان [ ت ] لغير اللّه تركها « 4 » ، فهذه هي المحاسبة « 5 » التي قال عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، [ فيها ] : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا .
وقال بعض علماء الشام : إنما أعنى به طلب علم الإخلاص ، ومعرفة آفات النفوس ووسواسها ، ومعرفة مكائد العدو وخدعه وغرره ، وما يصلح الأعمال وما يفسدها ، هذه فريضة كلها « 6 » من حيث كان الإخلاص ، والأعمال فريضة ، ومن حيث أمر [ الإنسان ] بمعاداة إبليس ، وهو قول عبد الرحمن بن يحيى ومن تابعه .
وقال بعض البصريين : معناه طلب علم القلب ، ومعرفة الخواطر وتفصيلها ، وبماذا يدفع خاطر العدو ، وهذه فريضة لأنها « 7 » رسل اللّه إلى العبد ، فيحتاج أن
هامش
( 1 ) في الأصل : منه .
( 2 ) في الأصل : هو .
( 3 ) في الأصل : فيه .
( 4 ) في الأصل : تركه .
( 5 ) في الأصل : فهذا هو المحاسبة ، وهناك نوع آخر من المحاسبة ، هو أن يستعرض الإنسان أعماله في نهاية يومه ، ويحاسب نفسه على خطئها ويلومها عليه .
( 6 ) في الأصل : كله .
( 7 ) أي الخواطر .