وقال آخر : من كان محبا للدنيا أو مصرا على هوى ، لم يتحقق بشئ من هذا العلم أبدا . وقال آخر : من كان فيه خصلتان لم يفتح له من هذا العلم حرف كبر أو بدعة .
قال أبو طالب : اتفق أهل المعرفة [ على ] أن علم الباطن هو علم الصديقين ، وأن من كان له نصيب [ منه ] فهو من المقربين ، فوق درجة أصحاب اليمين .
قال سهل : من أنكر هذا العلم ، فأيسر عقوباته ألا يرزق منه شيئا « 1 » .
وقال أبيّ بن كعب ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث الخضر حين قال لموسى :
إنك على علم من علم اللّه لم يعلمنيه ، وأنا على علم من اللّه لم يعلمك به ، فذلك قوله :
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
[ الكهف : 82 ] .
وقال الثوري : لا تكونوا جهالا ، وميزوا بين العالم ووعاء العلم ، إذا هرب العالم من الناس فاطلبوه ، وإذا طلب الناس فاهربوا منه .
قال أبو طالب : مثل الجهل والعلم في تفاوت الناس فيهما ، كمثل الجنون والعقل ، المجانين طبقات والعقلاء طبقات ، وكذلك الجهال طبقات كالعلماء ، وفي كل طبقة منها خصوص وعموم ، فخصوص الجهال يشتبهون على العامة حتى يحسبونهم علماء ، وهم مكشوفون عند العلماء باللّه ، وكذلك العارفون يشتبهون على عموم العلماء ، وهم ظاهرون للموقتين .
وكان سهل يقول : العلماء ثلاثة : عالم باللّه ، وعالم للّه ، وعالم بحكم اللّه ، يعنى العالم باللّه [ هو ] العارف الموقن ، والعالم للّه هو العالم بعلم الإخلاص والمعاملات والأحوال ، والعالم بحكم اللّه هو العالم بتفصيل الحلال والحرام .
وقال مرة في كلام أبسط من هذا : عالم باللّه لا بأمر اللّه ، ولا بأيام اللّه ، وهم المؤمنون ، وعالم بأيام اللّه ، [ وهم ] المتقون في الحلال والحرام ، وعالم باللّه عالم بأيام اللّه ، وهم الصديقون .
قال أبو طالب المكي في معنى قوله : « بأيام اللّه » : أي بنعمة اللّه الباطنة وعقوباته الغامضة . وقد قيل على أحد الوجوه في معنى قوله :
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[ إبراهيم : 5 ] ، قيل : بعقوباته في الأمم الماضية .
هامش
( 1 ) في الأصل : شئ .