وقال أبو طالب المكي ، رضى اللّه عنه : قيل : إن اللّه ينظر إلى العرش عند كل سحر نظرة ، فيتسع عند ذلك مائة ألف ضعف على ما كان ، ويزداد بكل توسعة مائة ألف ضعف ، من المعرفة باللّه وتسبيحه : سبحانك أينما كنت وأين تكون ، وتسبيح الحملة : سبحان من لا يعلم ما هو إلا هو .
وقال الشبلي : من لا يعرف ، فهو غرق في بحر الحسرة والمغابنة .
وسئل مالك بن أنس عن قوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ، كيف استوى ؟ [ ف ] قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، ثم أمر بالسائل فأخرج من المجلس « 1 » .
وفي الخبر أن أربعة من الملائكة اجتمعوا عند النبي ، عليه السلام ، فقال لأحدهم :
« من أين جئت ؟ » ، فقال : من فوق سبع سماوات ، وتركت ربى هناك ، وقال الآخر :
من تحت الثرى ، وتركت ربى هناك ، وقال الآخر : وأنا من الخافق الشرقي ، وتركت ربى هناك ، وقال آخر : وأنا من الخافق الغربى ، وتركت ربى هناك .
ويقال : إن موسى بن عمران لما كلمه اللّه ليلة الشجرة ، دهش من سماع نداء الحق ، فقال : إلهي : أين أنت ؟ أقريب فأناجيك ؟ أم بعيدا فأناديك ؟ فقال اللّه لموسى :
أنا من فوقك ، وأنا من تحتك ، وأنا عن يمينك ، وأنا عن يسارك ، وأنا أمامك ، وأنا وراءك ، وأنا معك ، أنا أقرب إليك من نفسك إلى لسانك ، ومن لسانك إلى حدقتك ، ومن حدقتك إلى سواد عينك ، ومن سواد عينك إلى ناظرك ، وأنا أقرب إليك منك إلى نفسك ، فادعني من أي وجه شئت ، فها أنا ناظر إليك « 2 » .
وعن ابن عيينة في معنى قوله تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] ، قال : الخلق ما دون العرش ، والأمر ما فوق ذلك
هامش
( 1 ) هذا مذهب السلف فيما يمنع البحث فيه من مسائل العلم ، فلا يجوز عندهم البحث في الذات وما حولها من مباحث كالقضاء والقدر ، والصلاح والأصلح وأفعال العباد ، وغير ذلك ؛ لأن الصحابة ، رضى اللّه عنهم ، ماتوا وهم لا يعلمون عن ذلك شيئا ، من باب الجدل .
ولا يظن أحد أن ذلك حجر على العقول ، وإعاقة لنهضتها ؛ لأن موضوع الذات وما حولها لا يهم هؤلاء الناقدين ، ولا يتقدم بحياتهم المادية ، ولا يكشف اختراع جديد ، وإذا قصد بإباحة هذه الأبحاث مجرد الرياضة العقلية ، فهناك مجالات أكثر رياضة للعقل من هذه البحوث .
( 2 ) لا يبعد أن يكون هذا ما أوحى إلى موسى حقيقة ، مما تناقله الرواة ، فهو تصوير للعقيدة السليمة من كل جهاتها .