دونه ، فكل أهل الموقف يجذبهم جلاله وعظمته وكبرياؤه ، حتى تذهل الرسل صلوات اللّه عليهم عن الخطاب والجواب ، فيقولون :
لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
[ المائدة : 109 ] .
ويقول الرسل : « نفسي نفسي » « 1 » ، غير رسولنا صلى اللّه عليه وسلم ، فإن الرأفة قد احتوشته : أي شملته ، والختم أمانه ، إذا رفع الختم وأخلط به نور الختم أمن .
وإنما خاطب الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا
[ المائدة : 109 ] . فإنما يحكي عن الرسل ، فخاطبه بذلك ، وتضطرب أجنحة الملائكة المقرّبين هذا في الموقف ساعة واحدة لا بد منها ؛ لأن هذه نظرة العظمة ، ثم ينصرف من الملك سلطانه وجبروته وقهره وغضبه إلى الأعداء ، فمن يقدر أن يصف ما يخرج لهم من سلطانه ، وتتصرف رحمته بعزّه وبهائه وفخره وجوده ومجده إلى الأحباب ؟ فينال أحبابه من ذلك على قدر حبّهم له وشغوفهم به أيام الدنيا ، واشتياقهم إليه ، وتعظيمهم لأمره ، ويبرز ما كان من العبد من الانقياد والبذل والتسليم واحتمال المكاره في جنبه ، ومراقبتهم إيّاه ، وكثرة ذكرهم له ، ونجواهم ودوامهم في طاعته ، ووقوفهم عند أحكامه .
حدّثنا إسماعيل بن نصر ، حدّثنا مسدد البصري ، حدّثنا بشر بن المفضل عن عمر مولى عفرة عن أيوب بن خالد بن صفوان عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان يحب أن يعلم منزلته عند اللّه فلينظر ما اللّه عنده ، فإن اللّه ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من نفسه » « 2 » .
فهذا ميزان قد جعل للعبيد في دار الدنيا قبل أن يلقوا ربهم ، يزن به قلبه ، ويعاير به قلبه وقوله وفعله ، وهذا غير العدل ، ثم للّه تفضل على العبيد بما لا تدركه العقول ، طواه
هامش
( 1 ) جزء من حديث طويل رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها باب قول اللّه عز وجل « ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه » . . ، حديث رقم ( 3162 ) [ 3 / 1215 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ، حديث رقم ( 194 ) [ 1 / 184 ] ورواه غيره .
( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، كتاب الدعاء والتكبير . . ، حديث رقم ( 1820 ) [ 1 / 671 ] والطبراني في الأوسط ، باب من اسمه إبراهيم ، حديث رقم ( 2501 ) [ 3 / 67 ] ورواه غير هما .