المعرفة ، وهي كطلوع الصبح ، ثم يزيد برؤيته منن اللّه تعالى وما سبق له من اللّه من الحسنى في الوقت ظاهرا وباطنا ولطائف صنعه وحكمه . ثم يزيد بنور التوحيد وهي طلوع الشمس ، ثم يرتفع ويزداد ضوؤها ونورها وسلطانها ومنافعها برؤية حقائق آثار قدرته ولطائف ربوبيته . وإذا اكتملت أنواره واجتمعت خاف العبد من زوالها ، وخشي من انتقالها ، ولم يأمن تغيير حالها . فصاحب هذا المقام يخاف من فراق هذا النور وزوال هذا السرور أشد مما يخاف هذا المستأنس بنور الشمس من زوالها وغروبها .
وقد قال القائل :
طلعت نور شمسه في القلوب * وأضاءت فما لها من عروب
يتباهون بالحبيب فكل * آخذ من حبيبه بنصيب « 1 »
ومثل نظر العبد إلى أعماله وأفعاله وأحواله كمثل رجل أسرج سراجا كما وصفنا ، ثم اتصلت له هذه الأنوار التي وصفتها ، فهل ينظر إلى السراج بعد ما ظهرت له هذه الأنوار ؟ لا ، بل يشكر لمن وفّقه للأعمال . وكذلك الموحّد ، رأى سره معاينة بحقائق الإيمان ومشاهدة بنور هداية الرحمن آثار عظمة اللّه وقدرته وجلاله وكبريائه وفردانيته ، فلم يلتفت إلى عمله ، ولم يعتمد عليه ، واعتمد على اللّه ، وغرق في أنوار مشاهدة منّته ولطائف رحمته وشواهد رأفته ، فتبرأ من النظر إلى حركات نفسه . وأزرى بنفسه لما رأى من سوء أخلاقها وقبح مرادها .
ومثل آخر أن الكواكب إنما يكون سلطانها في ليلة ظلماء ، فإذا طلع القمر وكانت ليلة البدر غلب نوره نور الكواكب ، وخفي أكثر النجوم ، فإذا أسفر الصبح وطلعت الشمس انطمست آثار الكواكب الباقية ، وذهب نور القمر . فما ظنك في عمل النفس عند ظهور الربوبية بالتوفيق والمعونة والهداية وهل يعتمد الموحّد في عمل ما دام يرى لطائف ربوبيته وسعة رحمته ، إذ العبد قائم بربه غير مستغن عنه ظاهرا وباطنا لدينه ودنياه طرفة عين ولا أدنى من ذلك . فلما كانت الهداية وأنوار الولاية
هامش
( 1 ) لم أقف على قائل هذين البيتين ويشبهها أبيات للحسين بن منصور الحلاج وهي قوله :طلعت شمس من أحبّ بليل * فاستنارت فما لها من غروب
إنّ شمس النّهار تغرب باللّي * ل وشمس القلوب ليس تغيب
من أحبّ الحبيب طار إليه * اشتياقا إلى لقاء الحبيب