المحبة ونار خوف الهجران ونار مخالفة الهوى ونور موافقة الحق ونار الاشتياق ، وقتل نفسه بسيف التوحيد ، فصار حيّا للّه عز وجل .
والحياة التي يفهمها العامة على وجوه :
منها حياة النفس بالروح ، وهي حياة الدواب والبهائم ، ومنها حياة القلب من ظلمة الكفر بنور الإيمان ، ومنها حياة النفس بالعلم ، فإنّ العالم حيّ والجاهل ميت ، ومنها حياة العبد بنور الطاعة من ظلمة المعصية ، ومنها حياة التائب بنور التوبة من ظلمة الأضرار وبنور توفيق اللّه من ظلمة رؤية المجاهدة ، ومنها حياة العبد برؤية منّة اللّه تعالى عليه وحسن نظره إليه من ظلمة النظر إلى العمل ، ثم منها ما لا يحتمل ذكرها قلوب العامة .
قال اللّه تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] ، وقال :
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
[ المجادلة : 22 ] ، وقال :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ غافر :
15 ] ، وقال :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
[ الشورى : 52 ] . فكل حيّ ممن خلق اللّه تعالى إنما سمي حيا بالروح ، والروح عبارة عن النور الذي به أحيا اللّه الخلق ، وهو كما ذكر اللّه تعالى ، أن الروح من أمره ، وقوام الروح باللّه ، والنفس قائمة بالروح . فمن فهمّه اللّه تعالى هذا المقدار فهم ما وراء ذلك ، بتأييد اللّه وتوحيد اللّه وتوفيقه ، من حياة القلب بروح الحكمة وروح الصدق وروح المحبة وروح الولاية وروح الشهادة وروح الرسالة وروح الكلام وروح الخلة . فحياة الصدر بروح الإسلام ، وحياة القلب بروح الإيمان ، وحياة الفؤاد بروح المعرفة والمشاهدة ، وحياة اللب بروح التوحيد والانفصال عن القوة والحول والاتصال بالحق .
ومثل صاحب هذا الطريق في ابتداء أمره كمثل رجل احتوته ظلمات الليل وأحاطت به في بيت مظلم ، فأعطي سراجا فاستضاء بنور ذلك السراج ، ثم فتحت كوة بيته وبابه فوقع نور القمر ، فاستأنس به واستبشر حتى خرج إلى الصحراء فاستغنى بنور القمر وضيائه عن ضوء السراج ، فبينما هو فرح كذلك إذا أسفر الصبح ، فغلب نور النهار وسلطانه نور القمر ، فاستبشر ، فإذا هو طلعت الشمس وجعل نورها وضياؤها يزداد إلى أن يبلغ أعلى درجاتها .
فمثل البيت المظلم هي النفس الجاهلة بظلماتها ، ونور السراج فيها نور العقل ، ثم يزيد هذا العقل ، كطلوع القمر ، بأنوار الشريعة وعلم السنة . ثم يزيد بنور صفوة