الفصل الثّاني
وإن المؤمن قد ابتلى بالنفس وأمانيها ، وأعطيت النفس ولاية التكلف بالدخول في الصدر . والنفس معدنها في الجوف وموضع القرب وهيجانها من الدم وقوة النجاسة ، فيمتلىء الجوف من ظلمة دخانها وحرارة نارها ، ثم تدخل في الصدر بوسوستها وأباطيل أمانيها ابتلاء من اللّه إياه حتى يستعين العبد بصدق افتقاره ودوام تضرعه لمولاه ، فيجيبه اللّه تعالى ويصرف عنه شرها . وكذلك الشيطان ، يدخل بوسوسته في صدر العبد ، وهو آخر ولاية حد النفس ، لأن النفس الأمّارة بالسوء شكل الشيطان ، وهما شيطانان ، قال اللّه تعالى :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] . وإن اللّه جل وعلا رحم عبده المؤمن حيث لم يجعل قلبه في يد نفسه ، وإنما هو برحمته يتولاه ، ويبتليه بدخول الشيطان ووسوسته في صدره ليعلمه قليلا من حقارة قدره ويريه تمام فقره وتصديق ذلك قوله عز وجل :
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ
[ آل عمران :
154 ] يعني ، واللّه أعلم ، بوساوس الشيطان والنفس ،
وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ
[ آل عمران : 154 ] وهو طهارة القلب بنور الإيمان ، وقال جل وعز :
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
( 5 ) [ النّاس : 5 ] .
اعلم أن انشراح الصدر والضيق إنما يضاف إليه ولا يضاف إلى القلب . قال اللّه تعالى :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
[ الأعراف : 2 ] ، وقال :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
[ هود : 12 ] ، وقال :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ
، وأخبر عن كليمه موسى عليه السلام أنه قال :
رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي
، فأضاف اللّه الضيق إلى الصدر . وضيق صدر النبي عليه السلام وصدر الكليم لا يكون من جهة الوسواس الذي يكون لعامة المسلمين ، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عصمهم ربهم من وسواس الشيطان ومنازعات النفوس ، ولكن كانت تضيق صدورهم إذا سمعوا الكفار يذكرون للّه شريكا أو يكذبونهم إذا ذكروا وحدانية اللّه تعالى . ولا غاية لضيق الصدر إذا ضاق ، وصدر كل واحد يضيق على قدر جهله وغضبه ، وكذلك لا غاية لسعته إذا انشرح بهدي اللّه تعالى ، فإذا ضاق عن الحق اتسع للباطل ، وإذا ضاق عن الباطل اتسع للحق . ألا ترى إلى ما ذكر اللّه تعالى على