المستدرك العاشر « باب في السواد الأعظم »
قال أبو عبد اللّه رحمه اللّه : وسألت عن قوله : « إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم » « 1 » ، فالسواد الأعظم من أجاب داعي اللّه في الصلوات الخمس والجمع والأعياد ، وصام شهر رمضان ، وحجّ البيت ، وأدّى الزكاة ، ومرّ في الشريعة مع العامة ؛ فهذا السواد الأعظم .
وسألتم عن الجنة والنار هل يفنيان ؟ فهما وعاءان للرحمة والسلطان ، فكيف يفنى الرحمة والسلطان ، وهما خلقان للثواب والعقاب ، يتجددان في جديد كل يوم لتجدد حركات العباد ومقاصدهم ، ويتلونان بألوان النعمة والعذاب ، على تلون العباد هاهنا ، فكيف يجوز الفناء ؟ .
فإن قلت :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ، فالهلاك عين الفناء ، وليس بداخل هذا في ذاك .
وسألتم عن الخير والشر ، فهو من اللّه ربوبية ، ومن العباد حركات ، فأهل الحق توقوا أن يضربوا إحداهما بالأخرى ، إن اللّه - تبارك اسمه - غير منقطع ربوبيته ، والعباد غير منقطع حركاتهم ما داموا أحياء ، واللّه غير مطلوب بالربوبية ، والعبيد مطلوبون بحركاتهم ، وللّه المبالغة عليهم في ذلك .
وسألت عن طغيان العالم ، فإنما يطغى ؛ لأنه يعجب بنفسه في عمله ، ولا يراه منّة من اللّه عليه ، والطغيان من الغنى .
قال اللّه عزّ وجل :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( 7 ) [ العلق : 6 ، 7 ] ، والاستغناء من الإعجاب بعلمه ، وكفران النعمة ، وفقد رؤية المنّة .
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ، من حديث أسامة بن شريك رضي اللّه عنه حديث رقم ( 18473 ) [ 4 / 278 ] وحديث رقم ( 19370 ) [ 4 / 375 ] .