فإذا كان يوم اللقاء ففريق في الجنة ، وفريق في السعير ، فأما أهل جنته وعبيد في هيئة الأحرار والملوك ، شأنهم مطردة في جوار الملك المنان بفناء عرشه .
وأما أهل ناره فعبيد في هيئة الإباق « 1 » المأخوذين في حال إباقهم ، أبدانهم معذبة حول السخطة في سجن الملك الجبار ، فأنبأهم لماذا خلقهم في تنزيله ، فقال :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 2 » .
وقال :
فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
« 3 » .
وقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 4 » .
فحمد العبودية هو ترك الهوى ، وهو مركب في النفس مستعمل في كل الأمور دنيا ، وآخره ، فصارت العبودية على ضربين : أحل وحرم ، وأمر ونهى ، فانتهى العبد عما نهى وإلى ما أمر ، وباشر ما أحل ، وجانب ما أمر ، ولم يفارق الهوى .
فإن أتى ما أمره أتاه مع الهوى ، وإن انتهى عما نهاه ، فلم يملك العباد الذين نفوسهم حية ، وشهواتهم ذكية إلا هذا .
وقد قال :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 5 » . فخلقهم وهو الذي ركب
هامش
( 1 ) الإباق / الهاربون .
( 2 ) سورة الذاريات / الآية 56 .
( 3 ) سورة العنكبوت / الآية 56 .
( 4 ) سورة البقرة / الآية 21 .
( 5 ) سورة البقرة / الآية 286 .