أفلا يحق على مؤمن أبصر هذا أن يموت كمدا وعبرة ، وأسفا على فوت هذا من نفسه ، أن يكون طيره أسمع له وأطوع ، وأشد تحريّا لموافقته ، وألزم لنصيحته من العبد المؤمن لربه .
ألا ترى إلى الدابة الخسيسة قيمتها قليلة ، تؤخذ من الدواب وقد اعتادت الرعى حيثما شاءت ، كيف يروضها الرائض على قبول السرج واللجام ؟ وكيف يؤدبها حتى تأخذ السير ؟ وكيف يؤدبها عند القناطر ، وفي مواضع الجلبة .
يريد أن يشيعها حتى لا تهاب هذه المواضع إذا بلغت ؟
وكيف تفتح أذنيها عند المسير ، وتميل يمينا وشمالا لا ينقلب عنانها ، فإن لم تجد قنطرة فأهوى بعنانها ، وثبت إلى الجانب وثبة مخاطرة بنفسها ، وإن استقبلتها جلبة لم تهب ، ولم تترك سيرها ، فتصير بحال تصلح لذلك ؟
فإن قوّمت قوّمت بالدنانير رفعة لها ، لا بالدراهم ، فتجلل وتبرقع ، ويصفى لها العلف ، وتربط في مربط الملك ، فإنما بلغت هذا المبلغ ، وسقط عنها جهد العمل وكده ، وحمل أثقال الحمولات ، وتخلصت من دبر الظهر ، ومشقة الاستعمال .
أدب النفس — صفحة 38
مساهمون: الحكيم الترمذي
ص٣٨