وكان ممّا أشكل على الناس معناه أنه قال : اعلموا أنّ الهياكل قائمة بياهوه والأجسام متحرّكة بياسينه . والهو والسين طريقان إلى معرفة النقطة الأصليّة .
ثم أنشأ يقول : [ من البسيط ]
عقد النبوة مصباح من النور * معلّق الوحي مشكاة تأمور
باللّه ينفخ نفخ الرّوح في خلدي * لخاطري نفخ إسرافيل في الصّور
إذا تجلّى لروحي أن يكلّمني * رأيت في غيبتي موسى على الطّور
[ 11 ]
وقال عبد الكريم بن عبد الواحد الزعفراني : دخلت على الحلّاج وهو في مسجد وحوله جماعة وهو يتكلّم فأوّل ما اتّصل بي من كلامه أنه قال : لو ألقى ممّا في قلبي ذرّة على جبال الأرض لذابت ، وإنّي لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار ، ولو دخلت الجنّة لانهدم بنيانها ، ثم أنشأ يقول : [ من الطويل ]
عجبت لكلّي كيف يحمله بعضي * ومن ثقل بعض ليس تحملني أرضي
لئن كان في بسط من الأرض مضجع * فقلبي على بسط من الخلق في قبض
[ 12 ]
وقال أحمد بن أبي الفتح بن عاصم البيضاوي : سمعت الحلّاج على بعض تلامذته : إنّ اللّه تبارك وتعالى وله الحمد ذات واحد قائم بنفسه ، منفرد عن غيره بقدمه ، متوحّد عمّن سواه بربوبيّته . لا يمازجه شيء ، ولا يخالطه غير ولا يحويه مكان ، ولا يدركه زمان ولا تقدّره فكرة ، ولا تصوّره خطرة ، ولا تدركه نظرة ، ولا تعتريه فترة . ثم طاب وقته وأنشأ يقول : [ من الهزج ]
جحودي لك تقديس * وظنّي فيك تهويس
وقد حيّرني حبّ * وطرف فيه تقويس
وقد دلّ دليل الحب * ب أنّ القرب تلبيس
ثم قال : يا ولدي ، صن قلبك عن فكره ، ولسانك عن ذكره ، واستعملهما بإدامة شكره . فإنّ الفكرة في ذاته والخطرة في صفاته والنطق في إثباته ، من الذنب العظيم والتكبّر الكبير .