فتقدّم أبو الحارث السيّاف ، فلطمه لطمة هشّم أنفه وسال الدم على شيبه .
فصاح الشبليّ ومزّق ثوبه ، وغشي على أبي الحسين الواسطيّ وعلى جماعة من الفقراء المشهورين . وكادت الفتنة تهيج ، ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا .
[ 2 ]
ذكر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ قال : لمّا كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلّاج ، قام واستقبل القبلة متوشّحا بردائه ، ورفع يديه ، وتكلّم بكلام كثير جاوز الحفظ . فكان ممّا حفظته منه أن قال :
نحن بشواهدك نلوذ ، وبسنا عزّتك نستضيء ، لتبدي ما شئت من شأنك .
وأنت الذي في السماء عرشك ، وأنت
الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
« 1 » .
تتجلّى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة ، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان . ثم أو عزت إلى شاهدك الأنيّ في ذاتك الهويّ . كيف أنت إذا مثّلت بذاتي ، عند عقيب كرّاتي ودعوت إلى ذاتي بذاتي ، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي ، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتي ، عند القول من بريّاتي . إنّي أخذت ، وحبست ، وأحضرت ، وصلبت ، وقتلت ، وأحرقت واحتملت السافيات الذاريات أجزائي . وإنّ لذرّة من ينجوج مظانّ هاكول متجلّياتي أعظم من الراسيات . ثم أنشأ يقول : [ من البسيط ]
أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها * فيما ورا الحيث يلقى شاهد القدم
أنعى إليك قلوبا طالما هطلت * سحائب الوحي فيها أبحر الحكم
أنعى إليك لسان الحقّ مذ زمن * أودى وتذكاره في الوهم كالعدم
أنعى إليك بيانا تستكين له * أقوال كلّ فصيح مقول فهم
أنعى إليك إشارات القلوب معا * لم يبق منهنّ إلّا دارس الرّمم
أنعى وحقّك أخلاقا لطائفة * كانت مطاياهم من مكمد الكظم
مضى الجميع فلا عين ولا أثر * مضيّ عاد وفقدان الألى إرم
وخلفوا معشرا يجرون لبستهم * أعيا من البهم بل أعيا من النّعم
هامش
( 1 ) الزخرف : 84 .