على مدارج السّاعين إلى موافقته . وهم أبين في منافع الخليقة أثرا ، وأوضح في دفاع المضار عن البريّة خبرا ، من النجوم التي بها في ظلمات البر والبحر يهتدى ، وبآثارها عند ملتبس المسالك يقتدى . لأن دلالات النجوم تكون بها نجاة الأموال والأبدان ، ودلالات العلماء بها تكون سلامة الأديان . وشتّان ما بين من يفوز بسلامة دينه ، وبين من يفوز بسلامة دنياه وبدنه ! .
* * *
رسالة الجنيد إلى بعض إخوانه « 1 »
اعلم رضي اللّه عنك أن أقرب ما استدعي به قلوب المريدين ، ونبّه به قلوب الغافلين ، وزجرت عنه نفوس المتخلّفين ، ما صدّقته من الأقوال جميع ما اتبع به من الأفعال .
فهل يحسن يا أخي أن يدعو داع إلى أمر لا يكون عليه شعاره ، ولا تظهر منه زينته وآثاره ، وألا يكون قائله عاملا فيه بالتحقيق ، وبكل فعل بذلك القول يليق ؟ ! وأفك من دعا إلى الزهد وعليه شعار الراغبين ، وأمر بالتّرك وكان من الآخذين ، وأمر بالجدّ في العمل وكان من المقصّرين ، وحثّ على الاجتهاد ولم يكن من المجتهدين ! ألا قلّ قبول المستمعين لقيله ، ونفرت قلوبهم لما يرون من فعله ، وكان حجة لمن جعل التأويل سببا إلى اتّباع هواه ، ومسهّلا لسبيل من آثر آخرته على دنياه ؟
أما سمعت اللّه تعالى يقول ، وقد وصف نبيّه شعيبا ، وهو شيخ الأنبياء ، وعظيم من عظماء الرسل والأولياء ، وهو يقول :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
[ هود : 88 ] ، وقول اللّه جلّ ذكره لمحمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
[ سبأ : 47 ] ، وأمر اللّه له بالدعاء إليه ، بقوله عز وجلّ من قائل :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] ، فهذه سيرة الأنبياء والرسل والأولياء .
والذي يجب يا أخي على من فضّله اللّه بالعلم به ، والمعرفة له ، أن يعمل في استتمام واجبات الأحوال ، وأن يصدق القول منه الفعل بذلك أولا عند اللّه ، ويحظى من اتبعه آخرا .
هامش
( 1 ) الرسالة من الحلية ( 10 / 260 ) .