بغيبتك ، فأين ما لا أين لأينه ، إذ مؤيّن الأيّنات مبيد لما أيّنه ، وإذ الإبادة مبادة في تأييد مبيد الإبادات ، وإذ الاجتماع فيما تفرق ، والتفريق فيما جمع ، فرق في جمع جمعه ، وإذا الجمع بالجمع للجمع جمع فيما جمعه .
2 - ثم أدمس شاهده الاندماس ، وأرمس مرمسه في غيب غافر الارتماس ، وأخفى في إخفائه عن إخفائه ، ثم قطع النسبة عن الإشارة إليه وعن الإيماء بما تفرد له منه به .
* * *
رسالة الجنيد إلى بعض إخوانه « 1 »
صفا لك من الماجد الجواد جميل ما أولاك . وأخلصك بما خصّك به وحباك . وكشف لك عن حقيقة ما به بداك . وآثرك بما استأثر به عمّن سواك . وقرّبك في الزلفى لديه وأدناك . وبسطك بالتأنيس في محل قربه وناجاك . وانتجبك بجميل أمره وصافاك .
وأيّدك في عظيم تلك المواطن وقريب تلك الأماكن بالقوّة والتمكين والهدوء والدّعة والتسكين ؛ لئلا تقوى عليك البداءة الواردة ، والأنباء الغربية القاصدة .
فيلزمك لقوة ذلك عليك في ابتداء خلوصه إبهات الذّهل لما لا يجد لما لا يقال منه محتمل . فكيف يحتمل ذلك ، أوتقف العقول بضبط ما هنالك ، إن لم يمسكها بالكلاية ، ويكتنف سرائرها بالرّعاية ؟ !
فأين أنت ؟ ! وقد أقبل بك كلّك عليه ، وأقبل بما يريده منك لديه . وقد بسط لك في استماع الخطاب ، وبسطك إلى رد الجواب . فأنت حينئذ يقال لك وأنت قائل ، وأنت مسؤول عن أنبائك وأنت مساءل ، في درر الفرائد ، وترادف الشواهد ، بدوام الزوائد ، واتّصال الفوائد ، تهطل بعزّ من المجيد عليك من كلّ جانب .
فلو لا إحلاله عليك النعمة وتمسيكه لقلبك بالسكينة لذهلت عند كون ذلك القلوب ، ولتمزقت عند حضوره العقول . لكنه جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه جاد بالفضل على من أخلصه ، وعاد بالعطف على من اصطنعه . فحمل عنهم ما تحمّله إياه ، وحملوا ما أراده لهم ، وتفضّل به من إدراكهم له .
جعلنا اللّه وإيّاك من أقرب أوليائه لديه منزلا ؛ إن ربّي سميع قريب .
* * *
هامش
( 1 ) من نشره عبد القادر ، عن المخطوط ( 226 ) .