إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره * فإن رمت قربا من حبيبي تقربا
ويبدو فأفنى ثمّ أحيا به له * ويسعدني حتّى ألذّ وأطربا
قال : فقلت لها : يا جارية أما تتقين اللّه في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام ؟
فالتفتت إليّ وقالت : يا جنيد ،
لولا التقى لم ترني * أهجر طيب الوسن
إنّ التقى شرّدني * كما ترى عن وطني
أفرّ من وجدي به * فحبّه هيّمني
ثم قالت : يا جنيد تطوف بالبيت أم بربّ البيت ؟ فقلت : أطوف بالبيت . فرفعت طرفها إلى السماء وقالت : سبحانك ! وما أعظم مشيئتك في خلقك خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار . ثم أنشأت تقول :
يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر
وتاهوا فلم يدروا من التيه من هم * وحلّوا محلّ القرب في باطن الفكر
فلو أخلصوا في الودّ غابت صفاتهم * وقامت صفات الودّ للحقّ بالذكر
قال أبو عمرو الزجّاجي : دخلت على الجنيد ، وكنت أريد الحج ، فأعطاني درهما صحيحا ، فشددته على مئزري ، فلم أدخل منزلا إلا وجدت فيه رفقاء ، ولم أحتج إلى الدرهم ، فلما حججت ورجعت إلى بغداد دخلت على الجنيد ، فمدّ يده ، وقال : هات .
فناولته الدرهم ، فقال : كيف كان ؟ فقلت كان الحتم نافذا « 1 » .
جاء رجل إلى الجنيد رضي اللّه عنه ، فقال له الجنيد : من أين جئت ؟ فقال : كنت في الحج . قال :
هل حججت ؟ قال : نعم . قال : هل رحلت عن جميع المعاصي منذ خرجت في البداية من بيتك ورحلت عن وطنك ؟ فقال : كلا . قال : لم ترحل . ثم قال : حين خرجت من البيت وأقمت كل ليلة بمنزل هل قطعت في هذا المقام مقاما من مقامات طريق الحق ؟ فقال :
كلا . قال : لم تقطع منزلا . ثم قال : حينما أحرمت في الميقات هل تجرّدت من صفات البشرية كما تجردت من ثيابك ؟ فقال : كلا . قال : إذن لم تحرم . ثم قال : حين وقفت
هامش
( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 113 ) ، بتحقيقنا ، وروض الرياحين لليافعي ( ص 56 ) .