باب التوبة
وسئل الجنيد عن التوبة ؟ فقال : هو أن تنسى ذنبك « 1 » .
في قوله تعالى :
تَوْبَةً نَصُوحاً
[ التحريم : 8 ] قال الجنيد : التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب ، فلا يذكره أبدا ؛ لأن من صحت توبته صار محبّا للّه ، ومن أحبّ اللّه نسي ما دون اللّه « 2 » .
قال الجنيد : سمعت الحارث يقول : ما قلت قطّ : ( اللّهمّ إني أسالك التوبة ) ، ولكني أقول : أسألك شهوة التوبة « 3 » .
قال الجنيد : دخلت يوما على سريّ السقطيّ ، فرأيت عليه همّا ، فقلت : أيها الشيخ أرى عليك همّا ، فقال : الساعة دق عليّ داقّ الباب ، فقلت : ادخل ، فدخل عليّ شابّ في حدود الإرادة ، فسألني عن معنى التوبة ؟ فأخبرته ، وسألني عن شرط التوبة ؟ فأنبأته ، فقال :
هذا معنى التوبة ، وهذا شرطها ، فما حقيقتها ؟ فقلت : حقيقة التوبة عندكم ألا تنسى ما من أجله كانت التوبة . فقال : ليس هو كذلك عندنا ، فقلت له : فما حقيقة التوبة عندكم ؟
فقال : حقيقة التوبة ألا تذكر ما من أجله كانت التوبة ، وأنا أفكر في كلامه .
قال الجنيد : فقلت : ما أحسن ما قال ؟ قال لي : يا جنيد ، وما معنى هذا الكلام ؟ فقال الجنيد : يا أستاذ ، إذا كنت معك في حال الجفاء ونقلتني من حال الجفاء إلى حال الصفاء فذكري للجفاء في حال الصفاء غفلة « 4 » .
قال الجنيد : ودخلت على سريّ السقطيّ يوما عليه همّا ، فقلت : أيها الشيخ ، أراك مشغول القلب . فقال : أمس كنت في الجامع ، فوقف عليّ شابّ ، وقال لي : أيها الشيخ ، يعلم العبد أن اللّه تعالى قد قبله ؟ فقلت : لا يعلم . فقال : بلى ، يعلم . وقال لي ثانيا : بلى ،
هامش
( 1 ) قال أبو نصر السراج : أشار الجنيد إلى توبة المحققين ؛ فإنهم لا يذكرون ذنوبهم بما غلب على قلوبهم ، من عظمة اللّه تعالى ، ودوام ذكره . وانظر : اللمع ( ص 68 ) .
( 2 ) انظر : روح المعاني ( 18 / 198 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 259 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 274 ) .