قال الجنيد : أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياء هي كفر عند العامة .
وقال مرة : لو سمعها العموم لكفّروهم ، وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك وذلك يحتمل منهم ويليق بهم .
وإليه أشار القائل « 1 » :
قوم تخالجهم زهو بسيّدهم * والعبد يزهو على مقدار مولاه
تاهوا برؤيته عمّا سواه له * يا حسن رؤيتهم في عزّ ما تاهوا
قال الجنيد : الأنس بالمواعيد والتعويل عليها خلل في الشجاعة « 2 » .
قال أبو القاسم الجنيد : كلّمت يوما حسنا المسوحي في شيء من الأنس ، فقال لي :
ويحك ما الأنس ؟ لو مات من تحت السماء ما استوحشت « 3 » .
التواجد والوجد والوجود
التواجد « 4 »
يحكى أن أبا سعيد الخرّاز قدّس اللّه سرّه كان كثير التواجد عند ذكر الموت ، فسئل الجنيد عن ذلك ؟ فقال : العارف قد أيقن أن اللّه لم يفعل شيئا من المكاره بغضا له ولا عقوبة ، ويشاهد في صنائع اللّه تعالى الحالة به من المكاره صفو المحبة بينه وبين اللّه عز وجلّ ، وإنما ينزل به هذه النوازل ليردّ روحه إليه ؛ اصطفاء له ، واصطناعا له ، فإذا كوشف العارف بهذا أو ما أشبهه لم يكن بعجب أن تطير روحه إليه اشتياقا ، وتنقلب من وطنها
هامش
( 1 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 341 ) .
( 2 ) انظر : طبقات الصوفية للسلمي ( ص 161 ) .
( 3 ) انظر : صفوة الصفوة ( 2 / 425 ) .
( 4 ) التواجد : استعمال الوجد ، بتعمد في تحصيله ، ففي الحقيقة لا يصادف الوجد الأعلى القلب الفارغ فجأة ، فما يحصل بالاستدعاء لا يكون وجدا .
وقيل : إظهار حالة الوجد من غير وجد ؛ موافقة لمن به الوجد ، وإن كان من إثارة الطبع فليس ذلك من شيم أهل الطريقة .