هذا الموضع ، حتى أرفع رأسي يوم القيامة من هذا التراب ، الذي هو محل أنسي وسروري « 1 » .
في قوله تعالى :
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ
[ الشرح : 7 ] قال الجنيد : إذا فرغت من أمر الخلق فاجتهد في عبادة الحق « 2 » .
وقال يوما لأصحابه : أتدرون أين يذهب بكم ، وتدرون لما خلقتم ، وإلى ماذا تصيرون ؟ فاتقوا اللّه عز وجلّ ، واحفظوا أوقاتكم وساعاتكم ؛ فإنها زائلة عنكم غير راجعة عنكم ، والحسرة في فوتها على الغفلة ، فلو بذل أحدكم ما بذل لم يردّ وقتا فات ، فأوصلوا أورادكم تجدوا منفعتها في دار الإقامة ، لا يشغلكم عن اللّه عز وجلّ قليل الدنيا ؛ فإن قليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة « 3 » .
السبب
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : إن الحقائق اللازمة والقصود القويّة المحكمة لم تبق على أهلها سببا إلا قطعته ، ولا معترضا إلا منعته ، ولا تأويلا موهما لصحة المراد إلا كشفته ، فالحقّ عندهم لصحة الحال مجرد ، والجدّ في دوام السير محدد ، على براهين من العلم واضحة ، ودلائل من الحقّ بيّنة « 4 » .
الوصل والوصول والواصل
وصل :
وسئل الجنيد رضي اللّه عنه ما الوصل ؟ قال : ترك ارتكاب الهوى « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 614 ) .
( 2 ) انظر : روح المعاني ( 20 / 109 ) .
( 3 ) قال التادلي في المعزى : قلت هذه من أحسن وصاياه رضي اللّه عنه ؛ فإن الوقت إذا فات لا يرد أبدا بخلاف ما يؤدى فيها كما حكي ذلك في قصة داود الشهيرة حيث قال : ترد عليّ صفاء ذلك الوقت . فأوحى اللّه إليه : هيهات ؛ ما فات من الأوقات لا يرد .
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي اللّه عنه : ذهبت طائفة من المشايخ إلى أن الأوقات ليس لها بدل ، وأن من فاته وقت فلا يكون إليه وصول .
( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 287 ) .
( 5 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 440 ) .