تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الجنيد سيد الطائفتين — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وكذلك أقول في الحكاية قبلها إن ذاك الشاب قد يكون قدره اللّه تعالى ذلك الوقت اعتناء بابن خفيف ورفيقيه لئلا تعظم أنفسهم عليه ، فأحب اللّه تعالى أن يعرفهم أن في عباده شابا وصل إلى ما لم يصلوا إليه ، وهو رآهم على طريق العامة ، وهذا من العناية بهم . وحكي أن أبا عبد اللّه بن خفيف ناظر بعض البراهمة فقال له البرهمى : إن كان دينك حقا فتعال أصبر أنا وأنت عن الطعام أربعين يوما ، فأجابه ابن خفيف فعجز البرهمي عن إكمال المدة المذكورة وأكملها ابن خفيف وهو طيب مسرور . وأن برهميا آخر ناظره ثم دعاه إلى المكث معه تحت الماء مدة ، فمات البرهمي قبل انتهاء المدة ، وصبر الشيخ إلى أن انتهت وخرج سالما لم يظهر عليه تغير . وقال ابن خفيف : خرجت من مصر أريد الرملة للقاء أبي على الروذباري فقال لي عيسى بن يوسف المصري المغربي الزاهد : إن شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة ، فلو نظرت إليهما لعلك تستفيد منهما ، فدخلت إلى صور ، وأنا جائع عطشان ، وفي وسطي خرقة ، وليس على كتفي شئ ، فدخلت المسجد ، فإذا اثنان مستقبلا القبلة ، فسلمت عليهما ، فما أجاباني ، فسلمت ثانيا وثالثا ، فلم أسمع الجواب ، فقلت : ناشدتكما اللّه إلا رددتما علي السلام ، فرفع الشاب رأسه من مرقعته ، فنظر إلي وردّ السلام ، وقال لي يا ابن خفيف : الدنيا قليل ، وما بقي من القليل إلا القليل ، فخذ من القليل الكثير يا ابن خفيف ، ما أقل شغلك حتى تفرغت إلى لقائنا ، فأخذ كليتي فنظر إلي وطأطأ رأسه في المكان فبقيت عنده حتى صلينا الظهر والعصر ، فذهب جوعي وعطشي ونصبي ، فلما كان وقت العصر ، قلت له : عظني ! فقال يا ابن خفيف : نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان لعظة ، فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا ولا شربا ولا ناما ، فلما كان في اليوم الثالث ، قلت في سري : أحلفهما أن يعظاني لعلي أنتفع بعظتهما ، فرفع الشاب رأسه فقال لي : يا ابن خفيف عليك بصحبة من تذكرك اللّه تعالى رؤيته ، وتقع هيبته على قلبك فيعظك بلسان قوله ، والسلام ، قم عنّا . وقال ابن خفيف : قدم علينا بعض أصحابنا ، فاعتل بعلة البطن ، فكنت أخدمه ، وآخذ منه الطست طول الليل ، فغفوت مرة فقال لي : نمت لعنك اللّه ، فقيل له : كيف وجدت نفسك عند قوله : لعنك اللّه قال : كقوله رحمك اللّه .
الإمام الجنيد سيد الطائفتين — صفحة 122 | الشيخ أحمد فريد المزيدي