إمارة الزهد في الدنيا بعون اللّه عز وجل استقبلته عقبة الخلق بكل ما في عرفهم وعادتهم ، وهي أصعب العقبات بليّة وأشدها مشقة وأطولها نهاية ، وأبعدها مسافة ، وأمرّها « 1 » على القلب من غيرها بألف ألف مرة ، نادوه وقالوا له : أين تذهب يا ولي اللّه ! نحن رفقاؤك وندماؤك ونعينك على جميع أمورك ، ونساعدك على ما أنت فيه ، لا بد لك منا في الدارين ، وفي جميع أمور الدين والدنيا .
فينظر العبد إلى ألوان طبائعهم ، وسوء أخلاقهم وقلة وفائهم ، وغوامض آفاتهم ، وقبح بواطنهم وفنون غوائلهم « 2 » ، وكمال غدرهم وسرعة إعراضهم ، وخساسة هممهم وعظم انقلابهم ، وألوان دقائقهم ، وغوامض مهلكاتهم ، ويرى نفسه مائلة بطبعها إلى ثنائهم « 3 » ومحمدتهم ، مع محبة الرئاسة والشرف والجاه والمنزلة عندهم ، فحينئذ يعتصم بعون اللّه ربه ، ويقطع إيمانه منهم ، ولم يشتغل بهم ، ولم يلتفت إليهم ، ويقول : « يا معاشر الرفقاء ، الذي « 4 » لا بد لي منه هو اللّه تعالى ، وهو قادر أن يغنيني عنكم » . وقوله هذا مع فعله إجلال لحرمة محبوبه ومقصوده .
فلما جاوز العبد هذه العقبة ، وقطع عن قلبه حبال التعاليق ، وصفا سره من خباط التخاليط ، وصار منفردا بالقصد إلى اللّه سبحانه وتعالى ، تخلص من عقبة الخلق ، واستقام له الانفراد بالفرد والاستئناس بربه من ربه تبارك وتعالى ، ثم يستعينه سبحانه ، فيعينه بإعانته ، فيديم هذه الحالة له تبارك وتعالى ، استقبلته عقبة النفس بكل ما فيها من الجهل والغفلة والنسيان والفترة « 5 » . التي هي أصعب العقبات بلية وأشقها وأطولها نهاية وأطولها وأبعدها مسافة وهي عقبة كئود أعظم العقبات وأصعبها وأمرها ، فتقول له : يا عبد اللّه أين تذهب ؟ أنا نفسك ، بقاؤك بي ، وقيامك بي ، وأنت لا تقوى على جميع ما تصنع إلا بي ، ولا تتصلح لك أمور الدارين إلا بي ، ولا بد لك مني .
هامش
( 1 ) من المرارة .
( 2 ) غال الشيء : أي : سرقه ، وغال فلان فلانا : إذا وصل إليه منه شر ، انظر المعجم الوسيط ، ص : 693 .
( 3 ) يقصد ثناء الخلق عليه .
( 4 ) الاسم الموصول يعود على لفظ الجلالة .
( 5 ) الضعف والنسيان ، انظر المعجم الوسيط ، ص : 697 .