الأمصار والفقهاء بالآثار الموصوفين بالكتابة والدراسة والنقل والرواية فغير داخلين في ذلك ولا عارفين بشيء منه ولا يوصفون بشيء من ذلك إلا من ساعده التوفيق وحاداه أيادي الحق إلى المنازلة فاستعمل الرياضة ولزم المجاهدة وعمل في بذل المهجة وذلك بشرائط مرسومة في دواوين علمائنا من ترتيب الأحوال من أوصاف الزاهدين والخائفين والشاهدين والصامتين الرائضين لنفوسهم من المجاهدين والسائسين لهمومهم من المراقبين والمفتقرين بالفقر من الهائمين والتاركين للشهوات من المريدين والمفارقين لأوطانهم من المتوكلين والقائمين في بلائه من الصابرين إلى إحكامه من الراضين والباذلين مهجتهم من المحيين والباكين في سواد الليل من الخائفين المجردين لتوحيده من العارفين فأما غير هؤلاء فليس لهم في السكرة مقيل ولا لهم إلى الإفاقة سبيل إلا أن هؤلاء العلماء الظاهرين فلهم في الحق منازل جليلة ودرجات رفيعة لأن السلوك إلى الحق كثير واتساع الذاهبين إليه طويل عريض بسيط ولذلك احتيج إلى مطالعة علومنا معهم إلى إظهار الدليل وكشف الحجاج من ظاهر الشرع لصحة إيراد مقالنا وذلك مما أوجب لهم . ولطائفة من منتحلي المذهب على التقليد والناطقين من غير تحقيق فذلك لبعد الدراية وقلة الرعاية وإسقاط العناية منهم لذلك وإلا فالفاضلين من الحكماء المتأخرين من المتكلمين مثل بشر بن الحارث « 1 » وسري السقطي وذي النون المصري وحارث المحاسبي والجنيد ورويم والخراز وسمنون والنوري والجريري وابن عطاء من العارفين من العراقين وشفيق وحاتم وأبو تراب ومن مضى منهم كانت أوصافهم معروفة ومضت أحكامهم وعلومهم في إطلاق الحكمة ورمى الإشارة وإظهار النكتة وتركوا من لم يكن منهم في خوضهم يلعبون .
واعلم أنى قد أقللت الحكايا في هذه المسألة لأني قد اختصرت من الإكثار والحكايات فإن عامتها تراد للاستشهاد فيطلب ظواهر الحكاية لتستقر في أوهام من تخاطب صحة ذلك ليستدل بشاهد ما يرى إلى غائب ما خوطب به من نعوت القوم المشار إليهم بهذه الأوصاف لأن ذلك إخبار عن مواجيد القوم ، عاملوا اللّه بالصدق والوفاء أيام حبوتهم فأتحفهم في الدنيا بعض أفضاله ليكشف لهم ما باداهم من حسن المعاملة وأنه شكر سعيهم ولم يخلهم أيام حبوتهم من ذلك ما روى عن ابن الزبير
هامش
( 1 ) في الأصل ( الحرث )