133 « انكسار العاصين أحبّ إلىّ من صولة المطيعين »
* هذه العبارة في معنى التي قبلها . . ذلك أن عبودية التوبة فيها من الذّلّ والانكسار ما هو أحب إلى الله من بعض العبادات ؛ فالذل والانكسار واللجأ إلى الله هو مخ العبادة .
* * * 134 - « إن تلقّانى بمكر منه اقتدارا : تلقيته بذلّ منّى افتقارا . » [ الحلية : 10 / 54 ] .
* المكر بالنسبة للخلق : تدبير الشّرّ للغير في خفية واحتيال ، وعلى ذلك فالمكر حيلة الضعفاء تجاه الأقوياء . . أما إذا نسب المكر إلى الذات العليّة ؛ فمعناه التدبير المحكم لإبطال مكر الماكرين ، وإيقاع العقوبة بهم من حيث لا يشعرون ، قال تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
[ النمل : 50 ] وكلمة الشيخ يحيى تعنى أنه صابر في مجرى الأقدار لما دبره القادر القهّار ، يتلقى أمر الله راضيا محتسبا في افتقار ، فإن كان نعمة تلقّاها بالشكر ، وجزاؤها من الله زيادة في النعمة :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] وإن كانت نقمة تلقاها بالصبر وجزاؤها زيادة في القربة :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ البقرة : 153 ] وفي الحالين خير .
* * * 135 - نظر يحيى بن معاذ إلى طاقات ريحان وضعها بعض الصبيان في حجرته ، وقد ذبلت وأتى بالماء يسقيها ، فسأله رجل : ما تصنع ؟
قال : رأيت هذا الرّيحان ذابلا ، قد جففوه بترك سقيه فاعتصر به قلبي فسقيته ؛ لأنه هاجت لي فيه عبرة ، وكأنّى رأيته يستسقينى بذبوله خاضعا . »
وكان أبوه وأخوه يدعوانه إلى طلب الدنيا ، فأنشأ أخوه يقول :
أترحم أغصانا ذبلت ولانت * ولا ترحم أخاك إذا دعاكا
فقال يحيى مجيبا له :
رأيت أخي يريد هلاك نفسي * ونفسي لا تريد له هلاكا
[ الحلية 10 / 62 ]
*