هذا من ناحية المريد والإرادة ، أما بقية العلامات فانظرها فيما سلف من أبواب : الرضا بالقضاء في باب الرضا ، والثقة بالوعد في باب حسن الظن باللّه ، والعمل بإخلاص في باب الإخلاص ، والشكر على البلاء في باب الصبر ، والتوبة من كل ذنب في باب التوبة .
* * * 348 - سئل يحيى عن صفة العارف فقال : « رجل داخل معهم بائن عنهم » [ اللمع : 58 ]
* بهذا النص وردت في صفحة 58 من كتاب اللمع . وفي نفس الصفحة وقد سئل مرة أخرى عن العارف فقال : « عبد كان فبان » . وفي صفحة 176 قال : « رجل كائن معهم بائن عنهم » .
وبان بمعنى ظهر وبمعنى فارق فيقال فلان بان صاحبه أي فارقه وهجره فهو بائن . والعارف باللّه وبأمره في خلوة وإن كان بين الناس ، فهو مشغول بربه عن غيره . . فهو معهم بجسمه مفارق لهم بروحه وقلبه ، وتسمّى هذه الحال بالخلوة في الجلوة ، ويسمّى صاحبها كائنا بائنا . وهي بالطبع غير الخلوة المتعارف عليها ؛ وهي اعتزال المريد للناس والتزامه بذكر خاصّ وطعام خاص لمدة يحددها .
* * * 349 - « الزاهدون غرباء في الدنيا ، والعارفون غرباء في الآخرة » [ الحلية : 10 / 60 ] وهي في صفوة الصفوة 4 / 93 من غير « في » .
* روى أحمد عن ابن عمرو رضى اللّه تعالى عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « طوبى للغرباء ، أناس صالحون في أناس سوء كثير ، من يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم » .
والغريب تأتى من الغرابة ( أي القلة والندرة » كما تأتى من الاغتراب ، وفي حال الزاهد في الدنيا أي قليل بالنسبة لمن أقبلوا على الدنيا ينهلون من مباهجها . . والعارف غريب في الآخرة لتميز مستوى تنعمه فهو من أهل الغرفة ، قال تعالى في عباد الرحمن :
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا
[ الفرقان : 75 ]
وروى أحمد والشيخان والترمذي : « إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تراءون الكوكب الدّرّى الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم » وفي رواية : « وإن أبا بكر وعمر منهم » .
* * *