باب إظهار العمل ليقتدى به
قلت : فما تقول في إظهار العمل ليقتدى بي فيه ، كفعل الأنصاري الذي جاء بالصرّة فتتابع الناس بالعطية لما رأوه ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتبعه فيها » « 1 » ؟
قلت : فهل تجري الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيره ؟
قال : أما الصدقة فإن الناس فيها متقاربون في القدوة ؛ لأنها عطف ورحمة وإعانة الملهوف ، فإذا أظهر العبد ذلك لغيره كان فيه حض لغيره وترغيب في الصدقة ، إلا أنه لا ينبغي لعبد أن يتعرّض لإظهارها حتى يعلم أنه قد أراد اللّه عزّ وجل بذلك ، وأنه لم يجزع من أن يسرّها ، ولا أحب إظهارها لقلة القنوع بعلم اللّه عز وجل ومحبّة منه أن يعلم الناس بصدقته ، ولكن جزعا أن يفوته عظيم الأجر أن يصيبه في غيره مع أجره على صدقته ، فلم يقنع بأجر الصدقة وحدها حتى أحبّ أن يحضّ بفعله عليها غيره ؛ ليؤجر فيه مع أجره على صدقته .
وفي الصدقة معنى آخر خاصة : سترها خير من القدوة إذا كان المتصدّق عليه يؤذيه ذلك ويكرهه ، فترك أذى المؤمن أفضل ، وقد اختلف في قول اللّه عزّ وجل :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
« 2 » .
هامش
( 1 ) الحديث عن جرير بن عبد اللّه البجلي ، سبق تخريجه ص 288 .
( 2 ) البقرة : 264 .