الأجل الذي أجل هو لتوبته ، فيموت بحسرته لم يبلغ أمله ، ولم يتب من ذنبه ، فلا إلى اللّه عز وجل تاب ، ولا بلغ من لذته ما أراد ، فمات بغصّة الدنيا والآخرة .
والخلة الثانية : خوف أن يضرب اللّه عز وجل قلبه بعقوبة مانعة له من التوبة ، من القسوة والرين أو الطبع أو المرض أو الإقفال ، ويكون أجله مع ذلك مؤخرا ، فيطول عمره بالسكرة والحيرة ، فيكون إنما يملى له ليزداد إثما ، فإذا خاف ذلك بادر بالتوبة خوفا أن يبادر بالموت ، فيموت مصرّا على ما كره اللّه عز وجل ، ويبادر بالتوبة خوفا أن تحل عقوبة اللّه عز وجل بقلبه ، فيبقى في الدنيا حيران يزداد إثما .
فإذا لم يأمن من معالجة بغتة الموت ، أو معالجة العقوبة بالقسوة ، خشي أن يؤخرها ساعة فتقع بإحدى هاتين الخلتين ، فالخوف لهما قاطع للتسويف ؛ لأنه إذا قوى الخوف من المعاجلة ضعف التسويف ، وإنما يقوى التسويف إذا ضعف الخوف ، وضعف التسويف إذا قوى الخوف ، والتسويف قاطع عن العمل .
ألم تسمع قول شداد بن أوس رضي اللّه عنه : أنذركم سوف .
وقيل لرجل من عبد القيس عند الموت : أوصنا ، فقال : أنذركم سوف .
وروى ابن المبارك : حدّثنا أن عامة دعاء أهل النار : يا أفّ للتسويف .
ومع ذلك فإن المسوف للتوبة لن يعرى من ثلاث خلال : أن يقطعه الموت عن الأجل الذي أجّله للتوبة ، أو يبلغ إلى الأجل الذي أجّله للتوبة ، فيبقى مقيما على معصية ربّه جل وعز ، فقد جمع غدرا وخلفا وكذبا لربّه فيما وعده
الرعاية لحقوق الله — صفحة 172
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٧٢