تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
المسيح ونزهه عما افترته عليه اليهود وما غلت فيه النصارى ، فهو الذي شهد له بالحق ، ولهذا لما سمع النجاشي من الصحابة ما شهد به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، للمسيح قال لهم بما زاد عيسى على ما قلتم هذا العود ، وجعل اللّه أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ،
شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] شهدوا عليهم بما علموا من الحق ، إذ كانوا وسطا عدولا لا يشهدون بباطل ، فإن الشاهد لا يكون إلا عدلا ، بخلاف من جار في شهادته فزاد على الحق أو نقص منه كشهادة اليهود للنصارى في المسيح . « وأيضا » فان معنى الفارقليط ان كان هو الحامد أو الحماد أو المحمود أو الحمد فهذا الوصف ظاهر في محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه وأمته الحمادون الذين يحمدون اللّه على كل حال ، وهو صاحب لواء الحمد ، والحمد مفتاح خطبته ومفتاح صلاته ، ولما كان حمادا سمى بمثل وصفه فهو محمد وزن مكرم ومعظم ومقدس ، وهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره ويستحق ذلك ، فلما كان حمادا للّه كان محمدا وفي شعر حسان :
اغرّ عليه للنبوة خاتم * من اللّه ميمون يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن اشهد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد
وأما « أحمد » فهو أفعل التفضيل ، أي هو أحمد من غيره أي أحق بان يكون محمودا أكثر من غيره ، يقال : هذا أحمد من هذا أي هذا أحق بان يحمده من هذا ، فيكون تفضيل على غيره في كونه محمودا فلفظ « محمد » يقتضي زيادة في الكمية ، ولفظ احمد يقتضي زيادة في الكيفية ومن الناس من يقول : معناه أنه أكثر حمدا للّه من غيره ، وعلى هذا فيكون بمعنى الحامد والحماد ، وعلى الأول بمعنى المحمود . وإن كان الفارقليط بمعنى الحمد فهو تسمية بالمصدر مبالغة في كثرة الحمد ، كما يقال : رجل عدل ورضى ونظائر ذلك ، وبهذا يظهر سر ما اخبره به القرآن عن المسيح من قوله :
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
[ الصف : 6 ] ، فان هذا هو معنى الفارقليط كما تقدم ، وفي التوراة ما ترجمته بالعربية : « وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاك ها أنا قد باركت فيه وأثمره واكبره . بمأذمأذ » هكذا هذه اللفظة « مأذ » على وزن عمر ، وقد اختلف فيها
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 73 | ابن قيم الجوزية