هو من صميم ولده ، فإنه جعل لأمة عظيمة ، ومن تدبر هذه البشارة جزم بأن المراد بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق قط ، وكانت يد إسحاق مبسوطة إليه بالخضوع ، وكيف يكون ذلك وقد كانت النبوة والملك في إسرائيل والعيص ، وهما ابنا إسحاق ، فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وانتقلت النبوة إلى ولد إسماعيل ودانت له الأمم وخضعت له الملوك وجعل خلافة الملك إلى أهل بيته إلى آخر الدهر وصارت أيديهم فوق أيدي الجميع مبسوطة إليهم بالخضوع وكذلك في التوراة في السفر الأول : « أن اللّه تعالى قال لإبراهيم أن في هذا العالم يولد لك ولد اسمه إسحاق ، فقال إبراهيم ليت إسماعيل هذا يحيى بين يديك يمجدك ، فقال اللّه تعالى قد استجبت لك في إسماعيل وأني أباركه وأيمنه وأعظمه جدا جدا بما قد استجبت فيه ، وأني أصيره إلى أمة كثيرة ، وأعطيه شعبا جليلا » والمراد بهذا كله الخارج من نسله ، فإنه هو الذي عظمه اللّه جدا جدا وصيره إلى أمة كثيرة وأعطاه شعبا جليلا ، ولم يأت من صلب إسماعيل من بورك وعظم وانطبقت عليه هذه العلامات غير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمته ملئوا الآفاق واربوا في الكثرة على نسل إسحاق .
( الوجه الرابع ) قال في التوراة في السفر الخامس : « قال موسى لنبي إسرائيل لا تطيعوا العرافين ولا المنجمين ، فسيقيم لكم الرب نبيا من اخوتكم مثلي ، فأطيعوا ذلك النبي » ولا يجوز ان يكون هذا النبي الموعود به من أنفس بني إسرائيل لما تقدم أن إخوة القوم ليسوا أنفسهم ، كما يقول بكر وتغلب ابنا وائل ثم يقول تغلب اخوة بكر وبنو بكر إخوة بني تغلب ، فلو قلت اخوة بني بكر بنو بكر كان محالا ، ولو قلت لرجل أتيني برجل من اخوة بني بكر بن وائل لكان الواجب ان يأتيك برجل من بني تغلب بن وائل لا بواحد من بني بكر .
( الوجه الخامس ) ما في الإنجيل : « ان المسيح قال للحواريين اني ذاهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق ، لا يتكلم من قبل نفسه ، إنما هو كما يقال له ، وهو يشهد عليّ وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس ، وكل شيء أعدّه اللّه لكم يخبركم به » وفي إنجيل يوحنا : « الفارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب ، وإذا
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 66
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٦