وكلّ ذا ممّا قد استدلّ به * وإنّ كلّا آية للمنتبه
والفرق أنّ بعضها أعمّ من * بعض في الإثبات ، تأمّل وافتطن
والكلّ كبرياتها فطريّة * جليّة فطريّة عقليّة
يدركها العقل بلا تمحّل * بفطرة الإدراك والتعقل
فالعقل عن ضرورة الوجدان * يقضي صريحا للبناء بان
وإنّه لكلّ وضع واضع * وكلّ مصنوع عليه صانع
وكلّ فعل صادر عن فاعل * والقتل لا بدّ له من قاتل
وكلّ ذا ممّا قد استدلّ به في كلمات الأئمّة ( ع ) واحتجاجاتهم على الخصماء ؛ وإنّ كلّا آية للمنتبه ، واثر من آثار المؤثّر عنده . والفرق أنّ بعضها أعمّ من بعض في الإثبات ؛ تأمّل ! وافتطن ! فإنّ الحدوث ، أكثر اثباتا من الصنع والتركيب مثلا ، والاتّصال اتمّ من الإهمال ، وكذلك يجري بعضها فيما لا يجري فيه غيره ، فيثبت ما لا يثبته غيره ؛ كالصّنع والاتّصال مثلا فيما لا اختلاف فيه وفيما فيه اختلاف .
والكلّ كبرياتها فطريّة جليّة ؛ اعني فطريّة عقليّة ، يدركها العقل بلا تمحّل بفطرة الإدراك والتعقل ؛ فانّ كثيرا من المعاني الكليّة ، تدركها عقولنا بصفائها من دون تمحّل واستدلال ، وتسمّى هذه الفطرة ب « الفطرة العقليّة » لأنّ المدرك لها العقل ؛ كما أنّ كثيرا من اللّذات والآلام الجسمانيّة والنفسانية ، تدركها نفوسنا وامزجتنا ، وتسمّى هذه الفطرة ب « الفطرة الطبيعيّة » ، لأنّ مدركها الطبع .
[ ما هو مورد إنكارنا على مدّعى الفطرة ؟ ]
والّذي أنكرت على مدّعي الفطرة في باب التوحيد ، إنّما هو انكار أن تكون المعرفة من احدى الفطرتين ، وقد ذكرت شيئا من هذه الكبريات الفطريّة .
[ نموذج من الكبريات الفطرية ]
فالعقل عن ضرورة الوجدان ، اي الّذي يجده في نفسه ومن نفسه ، يقضي قضاء صريحا من غير خفاء ولا ترديد ، بأنّ للبناء بان ؛ كما قال أمير المؤمنين ( ع ) :
« وهل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان ؟ » « 1 » ويقضى أيضا أنّه لكلّ وضع في تركيب وتصوير وتأليف ، واضع لا بدّ منه ؛ وكلّ مصنوع عليه صانع لا بدّ منه ؛ وكلّ فعل صادر عن فاعل لا بدّ منه ؛ فانّ وجود الأفاعيل ، تدلّ على فاعلها ؛ والقتل لا بدّ له من قاتل ؛ كما قال ( ع ) : « أو جناية من غير جان » ؛ وكذلك كلّ متغيّر حادث أو يحتاج إلى
هامش
( 1 ) . المصدر 64 : 40 / 19 .