وليس هذا القدر ممّا يدرك * كشفا ، فمن رام وراه يهلك
وما العباد يبلغون بالهمم * الكنه منه ، بل ولا كنه العظم
ولم يحط علم به من البصر * أو غيره ، بل كان بالقلب أمر
وإن عندهم بغير ريب * يطلب الأيمان به بالغيب
شأنه عمّا يقولون ، وقد مرّ ذكره بالتفصيل . وليس هذا القدر ممّا يدرك ، كشفا ؛ فإنّ مجرد العلم بكونه شيئا وموجودا ، لا يعد من الكشف ، ولا صرف الشيئيّة والموجوديّة ممّا يقبل الكشف والإدراك ، فمن رام ورآه يهلك ؛ كقول زين العابدين ( ع ) : « فمن رام وراء ذلك ، فقد هلك . » « 1 »
وكقولهم ( ع ) : ما العباد يبلغون بالهمم الكنه منه ، بل ولا كنه ماله من العظم ؛ مثل قول أمير المؤمنين ( ع ) ( لا يبلغه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن . » « 2 » وقوله ( ع ) أيضا : « لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن . » « 3 » وقول الصادق ( ع ) : « إنّ اللّه عظيم ، رفيع ، لا يقدر العباد على صفته ، ولا يبلغون كنه عظمته . » « 4 »
وفي قول أمير المؤمنين ( ع ) « بعد الهمم » ، دلالة واضحة على بطلان دعوى أهل الكشف ، حيث يزعمون أنّ البلوغ إلى هذا الشرف والكمال ، منوط بهمم الرجال قياسا على غيره ، من إناطة المراتب الراقية بالهمم العالية .
وكقولهم ( ع ) أيضا أنه لم يحط علم به من البصر أو غيره ؛ كقول الصادق ( ع ) :
« ولا يدركه الحواسّ ، ولا يحيط به شيء . » « 5 » وقول الرضا ( ع ) في نفى الرؤية ، وقد قال :
« ولا يحيطون به علما ، فإذا رأته الأبصار ، فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة . » « 6 » علّل ( ع ) نفى الرؤية ، بإحاطة العلم ووقوع المعرفة ؛ ونظيره قوله ( ع ) أيضا : « فإذا جاز أن يرى اللّه - عزّ وجلّ - ، وقعت المعرفة ضرورة . » « 7 » وهذا المناط حاصل في الكشف أيضا ، بل كان بالقلب أمر ؛ لأنّ الرؤية لا تقع إلّا على الصورة والإحاطة العلميّة ، في الكشف تقع على نفس الذات .
هامش
( 1 ) . البحار 3 : 263 / 21 .
( 2 ) . المصدر 4 : 269 / 15 .
( 3 ) . المصدر 4 : 247 / 5 .
( 4 ) . المصدر 4 : 297 / 26 .
( 5 ) . المصدر 3 : 301 / 35 .
( 6 ) . المصدر 4 : 36 / 14 .
( 7 ) . المصدر 4 : 56 / 34 .