وحجّة القائل بالإهمال * آفاتنا وخارق الأفعال
قالوا : بأنّ كلّ شيء بالعرض * والاتّفاق لا بعمد وغرض
لو كان ربّ لم يصب حريمه * بآفة تسلبه نعيمه
أو لم يصب بالبرّ والأطفال * من ألم والموت والآجال
لو كان ربّ يصنع الصنيعة * لم تنقض الخوارق الطبيعة
[ حجّة الدهري القائل بالإهمال ]
وكيف كان ، وحجّة القائل بالإهمال أمران :
أحدهما : آفاتنا الّتي تصيبنا عامّة أو خاصّة ؛
والثاني : خارق الأفعال ، وهي الحوادث الكونيّة الّتي على خلاف العادة ، أو العوارض الّتي تعرض الأشياء على خلاف الطبيعة ؛ كالعوارض الشخصيّة الّتي تعرض افراد الإنسان والحيوان وغيرهما ممّا يمكن ان تفرض له طبيعة نوعيّة « 1 » .
[ تقرير مذهب الدهري ]
وهؤلاء قالوا : بأنّ كلّ شيء بالعرض والاتّفاق ، لا بعمد من عامل وغرض من مدبّر ، حتّى يكون مفتقرا إلى صانع ومدبّر ؛ وقالوا في توجيه الدليل الأوّل : بأنّه لو كان ربّ ، مدبّر ، حكيم ، وهذا المخلوق ملكه وحريمه ، لم يصب حريمه بآفة تسلبه نعيمه ، بل المالك المدبّر الحكيم ، يحمي دائما حريم ملكه عن الآفات ، ولا يرضى ابدا بزواله أو فساده ، أو لا اقلّ من أنّه لم يصب آفاته بالبرّ والصالح والأطفال ، الّذين لا ذنب لهم ولا حراك ، فكان عليه ان لا يصيبهم من ألم ولا يذيقهم من الموت ولا يصطلمهم بطوارق الآجال . فهذه الآفات العامّة والخاصّة ، تكشف عن أنّه لا مدبّر لها ، بل هي أمر عرضيّة اتّفاقيّة ، فإذا لم تكن لها مدبّر لها ، لم يكن لمن تصيبه هذه الآفات أيضا مدبّر وإلّا لمنعه عنها .
وقالوا في تقرير الدليل الثاني : أنّه لو كان في الواقع ربّ يصنع الصنيعة ، لم تنقض الخوارق الحادثة الطبيعة المصنوعة المعتادة ، بل كانت مستمرّة على حالة واحدة ، لم ينقضها ناقض ، لأنّها مصنوع ربّها . فحيث أنّ الخارق ، ناقض للطبيعة ، لم يكن من فعلها ؛ لأنّها لا تنقض نفيها ، ولأنّ الطبيعة الواحدة لا تؤثّر اثرين ، ولا هو من
هامش
( 1 ) . الظاهر عندي أنّ الدهري يقول بأزلية الدهر ، ومراده ، بالدهر ، الوضع العادي الجاري ، ولا يقول بأزلية الأشياء كلها ، بل جمع بين أزلية الدهر وحدوث الموجودات ، حيث يقول :وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُفهو يعنى أنّ هذا المجىء والذهاب جار على الدوام ، فأزلية الدهريّة غير الأزلية المطلقة .