ثمّ الطبيعة لديهم ناقصة * محدودة في فعلها مخصصة
لأنّها كانت هي المدار * فيما بدا في فعلها استمرار
من ذاك في خوارق الأفعال * الجئ كالدّهري إلى الإهمال
فقال إنّها بالاتّفاق * وصدفة أدّت إلى اختراق
وذا عدول ان يكن دريّا * صار الطبيعيّ إذن دهريّا
لو تمّ مثل هذا الاتّفاق * لتمّ الإهمال على الإطلاق
« الطبيعة » مع الغضّ عمّا فيها ، غير مغنية فيما يتّفق على خلاف العادة
ثمّ الطبيعة لديهم ؛ اي لدى القائلين بفاعليّتها ، ناقصة ، غير وافية بتمام الحادثات ، محدودة في فعلها ، مخصصة بالأمور الجارية على العادات ؛ لأنّها ؛ اي الطبيعة ، إنّما كانت هي المدار عندهم فيما بدا في فعلها ، استمرار وعادة . ومن اجل ذاك ، في خوارق الأفعال ، الجئ الطبيعي كالدّهري إلى اعتقاد الإهمال ، فقال : إنّها ، اي الأفعال الخارقة للطبيعة بالاتّفاق ، وأنّها صدفة أدّت إلى اختراق الطبيعة ، وذا عدول من الطبيعي عن قوله بالطبيعة ان يكن دريّا ، مشعرا به وقد صار الطبيعيّ إذن دهريّا . والّذي يرد عليه بالخصوص أنّه لو تمّ مثل هذا الاتّفاق والصدفة ، لتمّ الإهمال على الإطلاق ، فلا وجه لتخصيصه ببعض ، والقول بالطبيعة في بعض ؛ وان لم يتمّ لمحاليّة وقوع الشيء من غير سبب ، فلا يتمّ في بعض أيضا .
والحاصل : انّه لو صحّ الاتّفاق ، لصحّ موجبة كليّة ، كما تقول الدهريّة ؛ ولو لم يصحّ فلا يصحّ موجبة جزئيّة أيضا ، إذ الممتنع لا يصير ممكنا ولو جزئيا .
تقرير مذهب « الدهري » القائل بالإهمال المطلق ، وأن الأشياء كلّها بالعرض والاتفاق ، وأنّها ازليّة ، وذكر حجّتهم وابطالها
الكلام هنا مع القائل بالإهمال وازليّة الأشياء ، سمّي دهريّا أم غير دهري . وإنّما خصّصت الدهري بالذّكر ، لظهور هذا المقالة منه ؛ كما قال تعالى حاكيا عنهم :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ . . .
« 1 » .
هامش
( 1 ) . جاثية 45 : 24 .