وهذا الدليل ليس بشيء ، لأنّ المطلوب إن كان هو أنّ الفصل علّة تامّة ، لم يلزم من نفيها الاستغناء ، لجواز كونه جزء العلّة ، وذلك كاف في الحاجة المشترطة في التركيب . وإن كان هو كون الفصل علّة بوجه ما ، جاز أن تكون العلّة هو الجنس ، ولا يلزم وجود الفصل في جميع موارده كغيره من العلل الناقصة ، بل الوجه في العلّية : أنّا قد بيّنا أنّ الجنس أمر مبهم في نفسه ، غير متحصّل في ذاته ، وإنّما يتعيّن ويتحصّل ماهيّته بالفصل ، كما قلنا في المقدار ، فإنّه لا يمكن تحصّل مقدار مطلق ، بل إنّما يتحصّل لو كان خطا أو سطحا أو جسما .
فالوجود ينال الأنواع أوّلا حيث تضمّنت الأجناس [ و ] « 1 » الفصول ، ثم يعرض الأجناس متحقّقة بعدها . وإذا امتنع تحصّله إلّا منضمّا إلى الفصل كان وجوده متوقّفا عليه ، فلهذا كان « 2 » علّة ، إذ ليس معنى العلّية « 3 » إلّا توقف الوجود على الوجود . فثبت أنّ للفصل بالنسبة إلى الجنس خاصّتين . إحداهما : تقسيم الطبيعة الجنسيّة . والثانية : تقويم الحصّة التي للنوع منها ، أي تكون علّة لوجودها « 4 » . وله ثالثة بالنسبة إلى النوع وهي التقويم بمعنى كونه علّة لحقيقته .
وتقسيمه للجنس قبل تقويمه للنوع ، لأنّ تحصيل الجزء سابق على تحصيل الكلّ .
لا يقال : الناطق إن كان علّة لمطلق الجنس لم يكن مقسّما « 5 » له ، وإن كان علّة للحصّة المخصوصة بنوعه ، فلا بدّ وأن يفرض تخصيص ذلك الجنس أوّلا حتّى يكون الفصل علّة له ، لكن ذلك الجنس متى تخصّص فقد دخل في الوجود ، فلا يكون الناطق علّة .
هامش
( 1 ) - أضفناها طبقا للسياق .
( 2 ) - م : « كانت » .
( 3 ) - في النسخ العلّة ، وما أثبتناه أوفق للمعنى .
( 4 ) - انظر شرح الإشارات 1 : 89 .
( 5 ) - م : « منقسما » ، والصواب ما أثبتناه من نسخة : ق .