التسلسل ، وعدم التناهي ، ويؤدي ذلك إلى عدم المخلوقات ، ولأن الرب عز وجل لا يخلق الخلق بالخلق وإنما خلقه بصفته القديمة ، وهي قوله " كن " فدل على ما قلناه .
فإن قيل " كن " كاف ونون ، ودليل الحدوث فيما بين ، لكونهما أحرفا فإن الأحرف لا تخرج إلا من مخارج ، فالميم مخرجها من الشفتين ، وانطباق عضو على عضو ، والحاء مخرجها من الحلق ، وكذلك سائر الحروف ، فإذا كانت الحروف ، فإذا لا تخرج إلا من مخارج ، والرب عز وجل منزه عن ذلك ، لأنه ليس ذا لفظ ومخارج يتقدم بعضها على بعض ، فإنه في حال ما يتكلم بالكاف النون معدومة ، وفي حال ما يوجد النون ويتكلم بها الكاف معدومة ، وما هذه صفته لا يكون إلا مخلوقا ، ولأن من الكاف والنون نشاهدهما في مصاحفنا أجساما مخلوقة ، فتارة تكون بالحبر ، وتارة تكون باللازورد ، وتارة تنقش بالجص والآجر على المساجد وغيرها ، فإذ قلنا بقدمها ونحن لا نشاهد هذه الأجسام ، والألوان المخلوقة ، فقد قلنا بقدم العالم ، ولأن القديم لا يحل في المحدث ، ولأن القول بهذا يؤدي إلى القول بما يعتقدونه النصارى لأنهم يقولون إن كلمة اللّه القديمة حلت في عيسى ، فصار عيسى قديما أزليا ، بل يكون هذا القائل أعظم قولا من النصارى ، لأنهم لم يقولوا بقدم عيسى ، والقائل بأن الكاف والنون قديمة يقول بقدم أكثر المخلوقات . وإذا ثبت أن هذه الكاف والنون وجميع الحروف مخلوقة بمشاهدتنا لها في دار الدنيا لأنها لو كانت قديمة لما فارقت الموصوف لأن الصفة لا تفارق الموصوف ، لأنها إذا فارقته يكون موصوفا بضدها بطل ما ادعيتموه من القدم .
يقال لهم : إنما يصح لكم التعليق بهذا مع المشبهة الحلولية القائلين بقدم هذه الأحرف والأصوات ، لأنهم يوافقونكم في المعنى ويقولون إن كلام اللّه أحرف وأصوات ثم يوافقوننا في التسمية ، ويقولون بقدم القرآن . والمعول على الاعتقاد بالقلب لا على التسمية باللسان ، ويحملهم على ذلك الجهل بالفرق بين القديم والمحدث . ثم يقولون : جهلهم بالسبب حملهم على الخطأ . وقال بعض الأدباء : أهتك الناس من إذا لزمه الحق ثقل عليه ، وإذا سنح له الباطل أسرع إليه .
والأولى بمن تكلم معهم من أهل الحق في ذلك أن لا يطالبهم في الابتداء إلا بالفرق بين القديم والمحدث ، فمن كان جاهلا بذلك فالسكوت عنه أولى من كلامه ، ويؤمر بمعرفة ذلك فإن أصل هذه المسألة مبني على ذلك ، وأما نحن فلا نوافقهم بأن كلام اللّه أحرف وأصوات ، لأن الأحرف والأصوات نعتنا وصفتنا ومنسوبة إلينا نقرأ بها كلام اللّه تعالى ، ونفهمه بها ، والكاف والنون وجميع الحروف ، القراءة والمقروء والمفهوم بها كلام اللّه تعالى أفهمنا بها كلام اللّه القديم الأزلي ، كما أفهم موسى
نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني / لباب المحصل في أصول الدين لابن خلدون / الإشارة إلى مذهب أهل الحق ابراهيم الشيرازي — صفحة 381
مساهمون: ابن خلدون
ص٣٨١