Skip to main content

نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني / لباب المحصل في أصول الدين لابن خلدون / الإشارة إلى مذهب أهل الحق ابراهيم الشيرازي — Page 279

Contributors:

P.279
ويطلق البداء على الندم على ما كان والندم هو أن يقول قولا أو يفعل فعلا لغرض ثم يرى أن المصلحة في غير ما صدر عنه قولا وفعلا وهذا أيضا لا يجوز في وصف الباري تعالى فإنه لا يفعل فعلا لغرض وإذا فعل بخلاف ذلك لم يفعله لمصلحة وغرض آخر بل أقواله وأفعاله لا تعلل كما بينا قبل فلم يتصور في حقه الندم ولا أفضى النسخ إلى الندم فتعين القول بأن النسخ غير مستحيل عقلا ثم وقوعه شرعا من أدل الدليل على أنه غير مستحيل عقلا . فنقول لا شك أن موسى عليه السلام تأخر وجودا عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب وجماعة من الأنبياء والأسباط عليهم السلام أهل كان جميع ما ورد به موسى مشروعا لهم أو منها ما كان مشروعا ومنها ما لم يكن مشروعا فإن كان كله مشروعا لهم فلم يرد موسى بشريعة أصلا بل قرر الشرائع الماضية وإن ورد بحكم واحد غير ما ثبت في شرعهم فقد تحقق أن الحكم الأول مرفوع بذلك الحكم أو قد انتهى مدة الحكم الأول وتجدد هذا الحكم فثبت النسخ وإن أنكروا ذلك فنكاح الأخوات في زمن آدم عليه السلام حتى قيل إنه استمر ذلك الحكم إلى زمن نوح مما يجب الاعتراف به ليتحقق النسل والذرية وتوبة عبدة العجل بقتل أنفسهم كان حكما لم يكن قبل ذلك وصار مرفوعا عن غيرهم في التوراة والختان في اليوم السابع من الولادة حكم لم يكن لنوح وغيره بل ترك الختان كان مشروعا لهم وأمر بذلك إبراهيم عليه السلام على الكبر وأطلق له أنه لا يختن إسماعيل في طفولته حتى يصير مراهقا وحظر على موسى ترك الختان فوق سبعة أيام والتمسك بالسبت ما كان واجبا على الأنبياء قبل موسى عليه السلام ثم صار واجبا على موسى فما المستحيل أن يعود إلى ما كان مباحا وكذلك الصيد في يوم السبت وجميع الأفعال الدنياوية كان مباحا قبل موسى عليه السلام فصار محظورا على موسى والمواعدة من أدل الدلائل على النسخ
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
[ الأعراف : 142 ] ، وكذلك تلك التكاليف الشديدة على بني إسرائيل ما كانت واجبة على من قبلهم . والسر في ذلك كله أن الحظر والوجوب أحكام لا ترجع إلى الأفعال حتى تكون صفات لها ولا الأفعال كانت على صفات من الحسن والقبح ورد الشرع بتقريرها ولا قول الشارع أكسبها صفات لا تقبل الرفع والوضع بل الأحكام راجعة إلى أقوال الشارع وتوصف الأفعال بها قولا لا فعلا شرعا لا عقلا فيجوز أن يرتفع بعضها