تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفس والروح وشرح قواهما — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وهي الشهوة والغضب والحرص والحواس الظاهرة والباطنة . أما العقل فليس له في جوهر الإنسان صفة أخرى تقويه ، فكان العقل أضعف من الهوى لا محالة لهذا السبب - وأيضا فالإنسان من أول فطرته كان مطيعا للذات الحسية منقادا لها مقبلا عليها . وأما نور العقل فلا يظهر فيه ( إلا ) بعد مدة من عمره ، وقالوا : العلم في الصغر كالنقش في الحجر - والحكماء قالوا : إن التكرير سبب لحصول الملكات العقلية ، وإذا كان كذلك كان انجذاب النفس إلى اللذات الحسية أكمل من انجذابها إلى اللذات العقلية ، ولا معنى للهوى إلا الانجذاب إلى اللذات الجسمانية والسعادات الحسية ، فثبت أن جانب الهوى راجح على جانب العقل رجحانا كثيرا . إذا عرفت هذا فنقول : مقتضى ما ذكرناه أن يكون أغلب الأفعال الصادرة عن الإنسان يكون من مقتضيات الهوى ومن جنس الأفعال الذميمة ، ثم إن الإنسان بعد إقدامه عليها وفراغه منها ، وانصرافه عنها يبقى العقل فارغا عن منازعة الهوى ، فحينئذ يطلع الإنسان على قبحها وسخافتها ، واشتمالها على الوجوه الكريهة الذميمة ، ولكنه إنما يطلع بعقله على هذه القبائح بعد وقوعها وبعد وقوع الفعل لا يمكن دفعها ومنعها ، فلا يبقى مع الإنسان إلا الحسرة والندامة والخجالة . ولما بينا إقدام الإنسان على مقتضيات الهوى هو الغالب الراجح بحكم ما قدمنا أن يكون بقاؤه في الغم والحسرة هو الغالب الراجح ، وذلك يدل على أنه يجب أن يكون الإنسان في أغلب أحواله ملازما للحسرات مقارنا للزفرات .
النفس والروح وشرح قواهما — صفحة 105 | فخر الدين الرازي