واللّه سبحانه يرضى ويغضب لكن باعتبار غاياتهما وآثارهما ، لا باعتبار مباديهما ومقدماتهما فيرضى فيثيبه ، ويغضب فيعاقبه ، لا أنه يغضب ويرضى ، انفعالا من عمل العبد . كما هو الحال في كل وصف يجري عليه سبحانه فإنما يجري باعتبار غاياته ، لا باعتبار مقدماته ومن هنا قيل : « خذ الغايات واترك المبادي » فهو تعالى عالم بما يجري في العالم من الحوادث ، لكن لا باعتبار انعكاس صورة عن الخارج في نفسه ، ومثله القدرة فالأوصاف تحمل على اللّه باعتبار كمالاتها ، لا باعتبار نقائصها ، وهذا غير القول بالنيابة المنسوب إلى المعتزلة وقد أوضحنا حاله في كتاب بحوث في الملل والنحل « 1 » .
2 - قال الإمام شرف الدين ( قدس سره ) بعد تفسير البداء على النحو الذي مر ذكره هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة فقد تجوزوا في اطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة ، لأن اللّه عز وجل أجرى كثيرا من الأشياء التي ذكرناها على خلاف ما يظنّه الناس فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الامارات والدلائل وكان حال الأمور فيها مناقضا لأوائلها ، واللّه عز وجل هو العالم بمصيرها ومصير الأشياء كلها ، وعلمه بهذا كله قديم أزلي لكن لمّا كان تقديره لمصير الأمور يخالف تقديره لأوائلها ، كان تقدير المصير أمرا يشبه البداء فاستعار له بعض سلفنا الصالح « 2 » هذا اللفظ مجازا أو كانت الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوز ، وبهذا رد بعض أئمتنا قول اليهود إن اللّه قدّر في الأزل مقتضيات الأشياء وفرغ اللّه من كل عمل إذا جرت الأشياء على مقتضياته ، قال عليه السّلام : بأن للّه عز وجل في كل يوم قضاء مجددا بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهرا لهم
هامش
( 1 ) الملل والنحل لسماحة الشيخ الأستاذ ج 2 ص 26 .
( 2 ) قد تقدم استعماله في حقه سبحانه في الحديث النبوي .