وضربوا لذلك مثلا فقالوا : من تصدّى له في سفرته مسلكان يؤدّي كل واحد منهما إلى مقصده ، وأحدهما خلي عن المخاوف عريّ من المتالف ، والثاني يشتمل على المعاطب واللصوص وضواري السباع ، ولا غرض له في السبيل المخوف ، فالعقل يقضي بسلوك السبيل المأمون ( ج ، ش ، 234 ، 19 )
وجوب الشيء
- إنّ ثبوت الشيء دالّ على انتفاء ضدّه ، ووجوب الشيء دالّ على استحالة ضدّه . وهذا أصل متقرّر ، فإذا صحّ ذلك وكنّا قد عرفنا وجوب هذه الصفات للّه جلّ وعزّ فيجب أن تستحيل عليه أضدادها ، لا سيّما إذا كان وجوبها لأمر يستحيل خروج الذات عنه وهو ما تقدّم من أنّها للذات تستحقّ . وإذا كانت كذلك جرت في امتناع خروج الباري تعالى عنها مجرى استحالة خروج السواد عن كونه سوادا حيث استحقّه للنفس ( ق ، ت 1 ، 191 ، 10 )
- إنّ وجوب الشيء منفصل من إيجاب الموجب له . فلا يمتنع حسن أحدهما وقبح الآخر .
ولذلك يجب على ما هدّد بالقتل إن لم يبذل بعض ماله أن يبذله ، ويحرم على من روّعه أخذ ذلك منه . ويكون إيجابه ذلك عليه بالترويع قبيحا . فإذا صحّ ذلك لم يمتنع كون الإيمان حسنا لاختصاصه بالوجه الذي له يحسن وواجبا لحصول جهة الوجوب فيه ، وإن لم ينتفع به ، كما يجب على القديم الواجب لا لمنفعة ، وإن قبح منه تعالى إيجاب الإيمان لا لمنفعة على ما ذكرناه ( ق ، غ 11 ، 236 ، 17 )
- في أنّه تعالى قد أوجب النظر والمعرفة على المكلّفين . قد بيّنا ، من قبل ، أنّه تعالى إنّما يوجب الشيء بأن يعرّف المكلّف وجوبه ووجه وجوبه ، أو ينصب له الدلالة على ذلك ويريده منه . فإذا ثبت ذلك ، وقد بيّنا أنّه تعالى قد عرّفنا وجوب النظر في معرفته تعالى من حيث قرّر في العقول وجوب التحرّز من المضارّ بالوجه الذي يمكن التحرّز منه . وقد بيّنا أنّ الخاطر إذا ورد على الوجه الذي فصّلناه في بابه ، يخاف العاقل لا محالة خوفا لا يتحرّز منه في ظنّه إلّا بالنظر ، فيجب أن يعلم وجوب ذلك عليه ، كما يعلم بعقله وجوب التحرّز من سائر المضارّ ، فإذا صحّ ذلك ، وكان تعالى هو الفاعل لهذه المعرفة ، فيجب أن يكون هو المكلّف لها . ولا فرق بين كون العلم بوجوب هذا النظر بعينه ضروريّا أو مكتسبا ، في أنّ على الوجهين جميعا يضاف وجوبه إليه تعالى ؛ فإن كان في أحد الوجهين أوجبه التعريف ، وفي الوجه الآخر ينصب الدلالة ( ق ، غ 12 ، 509 ، 3 )
وجوب الفعل
- قد بيّنا أنّ المعتبر في وجوب الفعل لحصول وجه الوجوب فيه ، وبيّنا أنّ أجناس الأفعال واختلافها لا معتبر به . فإذا تكامل عقل الإنسان وعرف العادات في المنافع والمضارّ ، ثم قيل له : إنّك لا تأمن من أن لم تنظر فتعرف أنّ لك صانعا صنعك ومدبّرا دبّرك ، وأنّك إذا عرفته وعرفت طريق طاعته وميّزتها من طريق معصيته ، وتجوّزت معاصيه إلى طاعته ، استحققت من جهته منافع عظيمة . وإذا أنت لم تعرفه اختلط عليك طريق معاصيه بطريق طاعته . فلا تأمن أن تقدم على المقبح منه فتستحقّ المضرّة العظيمة التي تسمّيها عقوبة ، وأنت تجد أمارة في عقلك . لأنّك تعلم أنّ المنعم يستحقّ الشكر والتعظيم ، وأنّ الإقدام