وجوه ، أحدها أن يريد أن ينفعه تفضّلا ، والثاني أن يريد تعريضه لمنفعة مستحقّة على وجه التعظيم بالتكليف ، والثالث أن يريد تعريضهم لمنفعة مستحقّة على طريقة الأعواض ، فيجب أن يحسن إرادة خلقهم ؛ لأنّها إرادة لخلقهم على هذه الوجوه التي ذكرناها . وكل إرادة تؤثّر في المراد ، ويصير لأجلها على حال يحسن لكونه عليها ، فيجب أن تكون حسنة ، وما اقتضى كون الفعل حكمة يوجب كون إرادة الحكمة حسنة ، إذا تعرّت من وجوه القبح . وقد بيّنا أن وجوه القبح معقولة ، فإذا ثبت انتفاؤها أجمع عنها فيجب كونها حسنة ( ق ، غ 11 ، 127 ، 15 )
وجه من الوجوه
- إن قيل : هب أنّا سلّمنا أنّ الفعل يحتاج إلينا ويتعلّق بنا ، فلم قلتم إنه يحتاج إلينا في الحدوث ؟ قيل له : في ذلك وجهان اثنان :
أحدهما أنه إذا ثبت أنه يحتاج إلينا ( الفعل ) فلا بدّ من أن يكون احتياجه إلينا لوجه من الوجوه ، لأنّه لو قيل إنّه يحتاج إلينا ، ثم لم يشر باحتياجه إلينا إلى وجه من الوجوه لعاد الأمر بالنقض على أنه يحتاج إلينا في استمرار الوجود أو في تجدّد الوجود الذي هو الحدوث ( ن ، د ، 317 ، 5 )
وجه الوجوب
- إنّ وجه الوجوب يعتبر ، بأن يعلم وجوب الفعل ، متى علمه عليه ، على جملة أو تفصيل ، ومتى لم يعلمه عليه لم يعلم وجوبه ، وبيّنا أنّه في بابه بمنزلة الوجه الذي له يقبح الفعل ، في أنّ من علمه عليه علم قبحه ، ومن لم يعلمه عليه لم يعلمه كذلك ، فإذا صحّ ذلك بما قدّمناه من قبل ، وبيّنا أنّ القادر منّا متى علم كون الفعل ردّ الوديعة مع المطالبة وسلامة الأحوال ، علم وجوبه عليه كذلك . فمتى علم الاستدانة المتقدّمة ، مع المطالبة والتمكّن ، علم وجوب القضاء ، ومتى علم موقع النعمة عليه مع سلامة الأحوال ، علم وجوب الشكر عليه ، كما أنّه متى علم أنّ الفعل يدفع به مضرّة عن نفسه ، علم وجوبه ، فيجب في كل وجه من ذلك ، وإن اختلف أن يكون هو المؤثّر في وجوب الفعل ، للعلّة التي ذكرناها ( ق ، غ 14 ، 30 ، 1 )
وجه وجوب الصلاة
- إنّ وجه وجوب الصلاة هو كونها مصلحة ، وإنّما يعلم كونها كذلك لو ورد الإيجاب من قبل اللّه بها ، لأنّه لا يستدرك بالعقل الوجه الذي له صارت مصلحة ، فوجب الافتقار فيه إلى السمع . فإن كان فقد العلم بالثواب واستحقاقه يقدح في أحد هذين ، فالواجب أن لا يعلم وجوبها ، وإلّا فغير ممتنع أن يعلم ذلك . وقد علمنا أنّ المكلّف إذا علم بعقله أنّه ، تعالى ، لا يوجب مع حكمته ما ليس له صفة الإيجاب ، وعلم في مثل الصلاة أنّه لا صفة له عقليّة يجب لأجلها ، علم أنّه إن وجب فإنّما يجب لكونه مصلحة . وقد علم أنّ المصالح في الدين تستدرك سمعا ، فيعلم أنّه ، تعالى ، إذا أوجبه فإنّما حسن منه الإيجاب مع حكمته لكونه لطفا ، فيعلم لزومه له ، ولا يجوز أن يعلم ذلك وهو سائل في أنّه ، تعالى ، يثيب أم لا . لأنّه يجب أن تتقدّم منه المعرفة بالشروط التي لها يحسن منه التكليف ، فصار فقد العلم بذلك يؤثّر فيما معه بعلم وجوب