الغيب ، والأعمّ إن ظهر من معاينة الحسن « 1 » جمال الأفعال في عالم الشهادة . فالحبّ بظهوره من مشاهدة الجمال يختصّ بالجميل البصير .
وما قيل إنّ الحبّ ثابت في كلّ شيء لانجذابه إلى جنسه فعلى خلاف المشهور . والعشق أخصّ منه لأنّه محبة مفرطة ، ولهذا لا يطلق على اللّه تعالى لانتفاء الإفراط عن صفاته . والحبّ الإلهي وراء حبّ العقلاء من الإنسان والجنّ والملك ، فإنه صفة قديمة قائمة « 2 » بذاته تعالى ، وصفته عين الذات فهي قائمة بنفسها ، وحبّ العقلاء قائم بهم فيحبونه بحبّه إيّاهم . وتقديم يحبّهم على يحبّونه إشارة إلى هذا وإن لم يفد الواو الترتيب والعلّية . وجمال الذات مطلق موجود في كلّ صفة من الصفات الجمالية والجلالية لعموم الذات إيّاها ، فللجلال جمال هو جمال الذات ، والجمال صفة الذات وله جمال هو جمال الصفة . ومن أحبّ جمال الذات فعلامته أن تستوي عنده الصفات المقابلة « 3 » من الضّرّ والنّفع حتى الحبّ والقلى والوصل والقطع ، وهذه المحبّة ثابتة ثبوت الجبل لا يتطرّق إليها الزوال . وجمال الصفات مقيّد موجود في بعضها وعلامة من يحبّه أن يؤثرها شطرا من الصفات كالنّفع والحبّ والوصل [ على أضدادها مطلقا ] « 4 » ، لا باعتبار وصول آثارها إليه ، بل لأنّها محبوبة عنده في الأصل . وجمال الأفعال أكثر تقيدا منه وعلامة من يحبّه أن يؤثرها باعتبار وصول آثارها إليه ، وهذان المحبّان قد يتغيّر حبّهما بتغيّر محبوبهما .
وجمال الأفعال يسمّى حسنا وملاحة وهو روح منفوخ منه في قالب التّناسب . وحسن الصّور الروحانية ألذّ وأشهى وأكثر تأثيرا وتخيّرا للمناسبة الخاصة بينه وبين المحل في الروحانية ، ولهذا كان حسن المسموعات أشدّ تأثيرا في قلوب أرباب الذوق من حسن المحسوسات الآخر لقرب صورة النغمة من الصور الروحانية ، وقلّما يسلم شاهد الحسن من الوقوع في الفتنة حيث يسلب عنه وصف الحبّ لغلبة وصف الطبيعة وثوران الشهوة بحكم من غلب سلب ومن عزّ بزّ ، ولا يسلم هذا الشهود إلّا لآحاد وأفراد زكت نفوسهم وطهرت قلوبهم وانطفئت فيها نار الشهوة ، ولهذا حرّم [ النظر ] « 5 » إلى الأجنبيات . فالحظّ الأوفر من وجود « 6 » الحبّ وشهود الجمال لمحبّ الذات ، والحظّ الوافر لمحبّ الصفات ، والحظّ القليل لمحبّ الأفعال .
والمحبّة والمحبوبة « 7 » حبّتان « 8 » عارضتان للمحبّة وهي قائمة بذاتها ، واتصال المحبّ بالمحبوب لا يمكن إلّا في عين المحبّة لأنّهما ضدّان لا يجتمعان لتقابلهما في الأوصاف ، فإنّ صفات المحبّ من الافتقار والعجز والذلّة ، وغيرها أضداد صفات المحبوب من الاستغناء والقدرة والعزة وغيرها ، واجتماعهما في عين المحبّة بأن لا يحبّ المحبّ إلّا المحبّة كما قال الجنيد :
المحبّة محبّة المحبّة ، وهكذا قال النووي لأنّ المحبة إذا صارت محبوبة وهي صفة ذاتية للمحبّ تحقّق الوصول وارتفع التّضاد عن الجهتين بفناء المحبّ في المحبّة المحبوبة ، ولذا
هامش
( 1 ) الحس ( م )
( 2 ) قديمة قائمة ( - م )
( 3 ) المتقابلة ( م )
( 4 ) [ على أضدادها مطلقا ] ( + م )
( 5 ) [ النظر ] ( + م )
( 6 ) وجوه ( م )
( 7 ) المحبية ( م ، ع )
( 8 ) جهتان ( م )