تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 938

مساهمون:

ص٩٣٨
أصحاب الصنعة وأرباب التجربة لشاهدوا « 1 » أنّ الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرّقى والتجريد . والقسم الرابع من السحر التخيّلات والأخذ بالعيون ، وهذا النوع مبني على مقدمات . إحداها أنّ أغلاط البصر كثيرة فإنّ راكب السفينة إن نظر إلى الشّط رأى السفينة واقفة والشط متحركا ، وذلك يدلّ على أنّ الساكن يرى متحركا والمتحرك ساكنا . والقطرة النازلة ترى خطا مستقيما . والشعلة التي تدار بسرعة ترى دائرة والشخص الصغير يرى في الضباب عظيما ويرى العظيم من البعيد صغيرا ، فعلم أنّ القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة . ثانيتها أنّ القوة الباصرة إنما تقف على المحسوس وقوفا تاما إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدارها . فأمّا إذا أدركته في زمان صغير جدا ثم أدركت محسوسا آخر وهكذا ، فإنّه يختلط البعض بالبعض ولا يتميّز بعض المحسوسات عن البعض الآخر . ومثال ذلك أنّ الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوط كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارت فإنّ الحسّ يرى لونا واحدا كأنّه مركّب من الألوان . وثالثتها أنّ النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحسّ شيء آخر فلا يتبعه الحسّ البتّة ، كما أنّ الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان ويتكلّم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه لما أنّ قلبه مشغول بشيء آخر ، وكذا الناظر في المرآة فإنّه ربّما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا يرى ما أكثر منها ، وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئا مما في المرآة . فإذا عرفت هذه المقدّمات سهل عند ذلك تصوّر كيفية هذا النوع من السّحر وذلك لأنّ المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أنظار الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه ، حتى إذا استفرغهم الشّغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئا آخر بسرعة شديدة فيبقى ذلك العمل خفيا وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدا ، ولو أنّه سكت ولم يتكلّم بما يصرف الخواطر إلى ضدّ ما يريد أن يعمله ولم يحرّك الناس والأوهام والأنظار إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون بكلّ ما يفعله ، فهذا هو المراد « 2 » من قولهم إنّ المشعبذ يأخذ بالعيون لأنّه بالحقيقة يأخذ العيون إلى غير الجهة التي يحتال لها . فإذا عرفت هذه الأقسام فأقول : المعتزلة أنكروا السّحر بجميع أقسامها إلّا التخيل . أما أهل السّنة فقد جوّزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حمارا والحمار إنسانا ، إلّا أنهم قالوا إنّ اللّه تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة . فأمّا أنّ المؤثّر لذلك هو الفلك أو النجوم فلا . وقد أجمعوا على وقوع السّحر بالقرآن والخبر . أما القرآن فقوله تعالى :
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
« 3 » . وأما الأخبار ، أحدها ما روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم سحر وأنّ السّحر عمل فيه حتى قال : « إنّه ليخيّل إليّ أني أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم أفعله » « 4 »
هامش
( 1 ) لشاهدون ( م ) . ( 2 ) المقصود ( م ، ع ) . ( 3 ) البقرة / 102 . ( 4 ) صحيح البخاري ، كتاب الدعوات ، باب تكرير الدعاء ، ح 82 ، 8 / 149 . عن عائشة رضي اللّه عنها . . . « حتى إنه ليخيل إليه أنه قد صنع الشيء وما صنعه » .
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 938 | محمد علي التهانوي